القرآن والسنة، { ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً } .
ومن علامات المنافقين أنهم يكرهون القضاة الشرعيين، ويكرهون القضاء الشرعي ويزعمون أنه ناقص، وأنه لا يفي بحاجات العباد، وأنه لا بد من إضافة مواد وقوانين غير التي في الشريعة لتكتمل الآلة الحكمية بين الناس بزعمهم، ولذلك وصفهم الله بالأوصاف الواضحة في هذا، { وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدود } وقال تعالى: { فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً، يعني: تلفيقاً بين شرع الله ودساتير البشر وتوفيقاً يوفقون بزعمهم بين الإسلام والكفر، أولئك الذين يعلمون الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا } ، وهؤلاء المنافقون قال تعالى عنهم: { ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين } ، { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين } ، إذن إذا كان الحق لهم بحسب القضاء الشرعي جاءوا مسرعين طائعين، وإذا كان الحق لغيرهم والقضاء عليهم اعترضوا وتمردوا، { أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون } ، { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أي يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون } ولا بد من التسليم لحكم الله والرضا به والانقياد للحكم الشرعي ولو كان عليه، ولو كان هو الذي سيدفع، ولو كان هو الذي سيعوض { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجيدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً } ، فلا بد أن يكون التسليم والإذعان باللسان والقلب والنفس مطمئنة لحكم الشرعي، هذا الحكم والقضاء في سائر الخصومات والمنازعات يقع من القاضي على حسب الظاهر له، لأن الباطل لا يعلمه إلا الله، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ترفعون قضاياكم إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته ممن بعض"فهو فصيح وهو ظالم، وخصمه صاحب الحق عيين لا يحسن التعبير، وذاك يعرض حجته أو يستعمل محامياً ماهراً صاحب لسان وأسلوب وتعبير وحشد للحجج ولو كانت باطلة،"ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته ممن بعض فأقضي على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار". رواه البخاري ومسلم.
وهذا يدل على أن حكم القاضي بالظاهر لا يحلل حراماً في الباطل ولا يحرم حلالاً في الباطل، وأن الذي أكل الحق إذا لم يكن لصاحبه بينه صاحب الحق ليس له بينه فحكم القاضي للآخر فإن حكم القاضي لا يجعل هذا المال حلالاً زلالاً هنيئاً مريئاً لهذا الغاصب وإنما يبقى قطعة من النار، وقد تولى كبار الصحابة القضاء معاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب وقال علي رضي الله عنه، بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضياً، فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن ولا علم لي بالقضاء وهذا من تواضعه رضي الله عنه، فقال:"إن الله سيهدي قلبك ويثبت لسانك فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء"، قال علي رضي الله عنه: فما زلت قاضياً أو ما شككت في قضاء بعد". رواه أبو داوود وهو حديث صحيح. لقد كان عهد الخلافة الراشدة متميزاً عظيماً، لأن الخلفاء على علم ونصب القضاة بالعلم، فكانت أمور الناس مستقيمة وكانت السعادة الغامرة، والعدل منتشراً، وقد ولى عمر أبا الدرداء قضاء المدينة، وشريحاً قضاء البصرة، وأبا موسى الأشعري قضاء الكوفة، وكان شريح ابن الحارث من أشهر قضاة المسلمين جاء بغزارة علمه وسعة إطلاعه وطول مدته في القضاء، وخبرته العظيمة فكان مثالاً للقضاة، ولي القضاء لعمر وعثمان وعلي ومعاوية ولم يترك القضاء إلى في أيام الحجاج."