فهرس الكتاب

الصفحة 3551 من 9994

سئل مالك رحمه الله أيجبر الرجل على ولاية القضاء؟ قال: نعم،، إذا لم يوجد منه عوض. قيل له: بالضرب والحبس؟ قال: نعم، ولذلك ضُرِبَ بعض الكبار من هذه الأمة وحبسوا ليقبلوا القضاء، لأنهم من ورعهم رفضوه في البداية. ويحرم على الشخص أن يتولى القضاء إذا كان جاهلاً ليس بأهل لذلك، أو كان متلبساً بما يوجب فسقه، أو كان يقصد الانتقام من أعدائه، أو كان يريد أن يجعل من القضاء سلماً لتحصيل الرشوة وأكل المال الحرام، وقد كان من الخليفة الراشد عمر أن كتب إلى عماله استعملوا على صالحيكم القضاء وكفوهم، أي: أجروا عليهم من بيت المال رزقاً يكفيهم بحيث لا يكون له همٌ أو ميل أو رغبة أو استدراج للوقوع في الرشوة، هذا إذا كان أصلاً ممن يخاف الله تعالى والقاضي في اختصام الناس وشقاقهم يلي أمراً عظيماً، لأن إزالة الخصومة بين الناس من أعظم الأمور التي جاءت بها الشريعة، لأن بقاء الخصومات يؤدي إلى الاقتتال، والتناحر، وانفراط عقد المجتمع."والقضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في حكمه فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار"رواه أبو داوود. فإذن،، الرجل الذي عرف الحق فقضى به في الجنة، والذي عرف الحق فجار وظلم فهو في النار، والذي قضى على جهل فهو في النار، وهذا القضاء من أشد الوظائف خطورة لأنه يشتمل على إفتاء فإن القاضي في الحقيقة يفتي للناس ويحكم بينهم، وكذلك فإن عليه إقامة العدل فالكل لديه سواسية لا فرق بين كبير، ولا صغير، ولا ذكر، ولا أنثى، ولا وضيع، ولا رفيع في مجلس الحكم، فالكل عنده يجب أن يكون سواء، { وإن حكمت فأحكم بينهم بالقسط } ، { ولم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ، { ولم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } ، إذا جار لهوى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } ، إذا عدل عن الحق لرشوة ونحوها، { فأحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم عما جاءك من الحق } ، من سأل القضاء يجب أن لا يولاه، ومن استعان بالشفعاء للوصول إلى القضاء يجب أن يحال بينه وبينه، لقد ذكر العلماء للقضاة شروطاً عظيمةً ومن ذلك العفة فإنهم يقضون في الفروج، وكذلك في الدماء، وكذلك تحضر عندهم من النسوة وأعراض المسلمين، والقضاء بين الناس عمل جليل فإذا نوى به وجه الله وكان أهلاً له فأجره كبير عظيم، وله عند الله تعالى المثوبة الكبيرة لأنه يقطع الخصومات ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويرفع التهارج وينصر المظلوم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( المقصود من القضاء وصول الحقوق إلى أهلها وقطع المخاصمة فوصول الحقوق هو المصلحة وقطع المخاصمة إزالة المفسدة ) ، هكذا يلخص رحمه الله وظيفة القاضي وصول الحقوق إلى أهلها وقطع المخاصمة، فالمقصود هو: جلب تلك المصلحة وإزالة هذه المفسدة ووصول الحقوق هو العدل الذي تقوم به السماء والأرض، وقطع الخصومة: هو من باب دفع الظلم والضرر، هذا القضاء أمر لازم لقيام الأمم، هذا القضاء فيه القضاء على أيدي العابثين وأهل الفساد كي يسود الإسلام والشرع وتنهض البلدان ويتحقق العمران، ولذلك كانت المكانة عظيمة وكانت التعدي على القاضي من أخطر الأشياء، وإنما جاءت نصوص العلماء في حفظ هيبة القاضي لأنه من حفظ هيبة الشرع، فإذا أزيلت هيبة القاضي زالت هيبة الشرع، وزالت هيبة القانون الإلهي الذي أنزله الله ليحكم بين الناس، فلا بد من توقير القاضي واحترامه، ولا بد أن يكون له من الهيبة ما يقع في النفوس ليمضي الحكم، ولا يأتي المعترضون أو هؤلاء المعتدون، ولذلك كفلت الشريعة له حقوقاً عظيمةً، وأسس النبي صلى الله عليه وسلم أصول القضاء على ما أوحى الله إليه والأصل في الحكم والمرجع في القضاء للشريعة الإسلامية، فإذن الشريعة الإسلامية هي القانون الوحيد الذي يحكم بين الناس، ولذلك فإن الدساتير الجاهلية الكفرية تقول: الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر الحكم، وبعضهم يقول: المصدر الرئيس، يعني: أن هناك مصادر أخرى،، ومن أعتقد أنه يجوز أنه يكون هناك مصادر أخرى للقانون والأحكام غير الشريعة الإسلامية قد كفر بالله العظيم، وخرج عن ملة الإسلام، ولذلك فإنه لا يجوز أن يقال الشريعة المصدر الأساسي أو المصدر الأول أو مصدر من المصادر، كله كفر، وإنما الشريعة هي المصدر الوحيد للحكم ولذلك إذا لم يجد القاضي في الكتاب والسنة حكماً مباشراً فإنه يأخذ من أحكام العلماء المجتهدين أو يجتهد بنفسه إن كان مؤهلاً للاجتهاد، والحكم بين الناس مبناه على إقامة العدل والقسط من غير حيث ولا ميل ولا هوى، والتحاكم بين الناس واجب إلى شرع الله دون غيره من أحكام الطواغيت، قال تعالى: { ألم ترى إلى الذين يزعمون أنهم أمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به } ، فالطاغوت كل حكم سوى حكم الله ورسوله، وكل مرجع سوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت