وقد تولى النبي صلى الله عليه وسلم القضاء فحكم بين المتخاصمين وفصل في القضايا التي وردت عليه، وبعث علياً إلى اليمن قاضياً وبعث معاذاً قاضياً فهكذا تولى بنفسه عليه الصلاة والسلام هذه المهمة ورتب لها من أصحابه الفقهاء العلماء من يصلح للنظر في القضايا بين الناس، والقضاء من فروض الكفاية فإذا وجد في المسلمين حاجة إليه ولم يقوموا به أثموا جميعاً، وإذا امتنعوا كل الصالحين عنه أثموا جميعاً قال أبن قدامه رحمه الله: ( القضاء من فروض الكفايات لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه فكان واجباً عليهم كالجهاد والإمامة ) ، قال أحمد رحمه الله: ( لا بد للناس من حاكم يعني قاض يحكم بينهم أتذهب حقوق الناس وقد قال سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط } ، فلا بد أن يوفر للناس العدد الكافي ليقضي هؤلاء بينهم، فإذا لم يوفروا ذلك فالأمة آثمة من أولهم إلى أخرهم، ممن يقدر على توفير هؤلاء للأمة فلم يوفر، وكذلك فإن وظيفة القاضي عظيمة فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحكم وبيان حكم الله ورسوله في المسألة ونصرة المظلوم وأداء الحق ورد الظالم عن ظلمه، والإصلاح بين الناس، وتخليص قضايا بعضهم من بعض وقطع منازعات التي هي مادة الشر والفساد، وكذلك المحافظة على الأموال الضائعة، وعلى حقوق أربابها الذين ربما كانوا صغاراً ضياعاً أو كانوا مما لا يحسنون القيام عليها لسفه ونحوه،، ولذلك فإن الوظائف المناطة بالقاضي عظيمة كثيرة متنوعة جداً هذا عمل الرسل، { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم } ، غنم اجتاحت بستاناً اجتاحت مزرعة فأفسدت فيها فما هو الحكم على صاحب الغنم؟ { وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت } عاثت فيه فساداً { غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان } ، يأخذوا صاحب المزرعة الغنم فيستفيد منها سنة، ويأخذ صاحب الغنم المزرعة ليعيدها كما كانت فإذا أعادها كما كانت ردها لصاحبها وأخذ غنمه، وفي شرعنا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن على أصحاب البساتين أن يحفظوها بالنهار فإذا اجتاحتها غنم فهم المفرطون، وعلى أصحاب الغنم أن يحفظوها بالليل فإذا اجتاحت مزرعة فأصحاب الغنم هم المفرطون، وقال تعالى: { وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلاً أتينا حكماً وعلماً } ، ويجب على الإمام أن ينصب القضاة في البلدان لأنه المستخلف على الأمة والقائمة بأمرها، وهذا القضاء يجب على الشخص إذا تعين له ولا يوجد من يصلح له غيره ويكره إذا كان صالحاً مع وجود من هو أصلح منه، لأن عليه أن يفسح المجال لهم، ويحرم إذا كان عاجزاً غير منصف يعلم نفسه ضعيفاً يميل مع الهوى ويخير بين قبوله ورفضه إذا أستوي هو وغيره في الصلاحية والقيام به.