أحضر ذلك في نفسك ، وطبّقه عندما تتلوا ، كلما مر تسبيح سبّح .. كلما مرّ وعد اسأل الله عز وجل ؛ فإن ذلك يعين على ولوج هذه المعاني وتعلق القلب بها وحياة النفس معها وذلك ما كان يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - كما روى ذلك كثير من أصحابه - رضوان الله عليهم -ومن المعين على ذلك استحضار أحوال النزول ، وذلك عندما نعرف بعض أسباب النزول ، ونعرف الوقائع .
ألسنا قد مر بنا كثيراً ما جاء من الآيات بشأن غزوة الأحزاب !كيف كان هذا الوصف مؤثراً لمن كان عالماً وعارفاً بهذه الأحداث وما مر فيها ؟
{ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ** هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً } .
عندما نتذكر كيف كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يربط على بطنه حجرين من شدة الجوع ، في ذلك الوقت عندما نتذكر حادثة حذيفة عندما قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم: من يذهب ويأتي بخبر القوم وأضمن له العودة ! فلم يقم أحد من الصحابة .. عندما نعرف تلك الملابسات نعرف كم كان لهذه الآيات من عظمة ويكون لها في نفوسنا تأثير .
{ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ } .
أصحاب النبي في يوم أحد وبعد أحد { فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } .
وكثيرة هي الأحوال التي إذا عرفنا شيئا منها أصبح للقرآن في قلوبنا أثراً غير ما نقرأ بلا تمعن ولا فهم ولا معرفة ، ولعلنا نستعين على ذلك بأمرين اثنين أختم بهما.
أولا: استحضار عظمة المتكلم سبحانه وتعالى
فهذا كلام رب الأرباب ، وملك الملوك جبار السماوات والأرض ..خالق الخلق ، وواهب الرزق ، ليس كلاماً له مثيل في الحياة كلها ، ليس نظير فيما تسمعه وتقرؤه من كلام الدنيا وأهلها كلهم ، فإذا استحضرت ذلك كان له أثر.
ثانياً: استحضار عظمة الخطاب
إنه خطاب لك إنه كما قال الحسن:
"رأوها رسائل من ربهم كانوا يتفكرون بها ويتدبرونها بالليل وينفذونها ويعملون بها في النهار"، نسأل الله - عز وجل - أن يرزقنا حسن الفهم لكتابه ، وحسن العمل بأوامره ونواهيه ، ونسأله أن يحيي به قلوبنا ويرشد به عقولنا ويحسن به أحوالنا ، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه ، فاتقوا الله في السر والعلن واحرصوا على أداء الفرائض والسنن ، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن .
وإن ثمرة مثل هذه الخطوات نراها في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرة أصحابه ، أذكر بعضا منها في هذه الومضات.
أولها: الاستجابة الدائمة
ليست المؤقتة ولا العارضة ، ولا التي تنشأ عن تأثير محدد ، بل دائماً يكون حينئذ هذا الإنسان المؤمن قرآنياً كما كانت عائشة - رضي الله عنها - تقول:"كان خلقه القرآن"؛ فإن هذا معروف ولكن قالت:"ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أنزل الله { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } إلا قال في صلاته سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ؛ لأنه جاءه الأمر فسبح بحمد ربك واستغفره فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته"، وروت عائشة قالت:
كان يكثر - عليه الصلاة والسلام - أن يقول سبحان ربي العظيم سبحانك اللهم وبحمدك سبحانك ربنا وبحمدك يتأول القرآن أن يطبقه ويمتثله ويأتينا من بعد ذلك .
ثانياً: الاستحضار للاعتبار
إن هذه الخطوات تقودنا إلى هذا الاستحضار الذي يقع به الاعتبار ، ومثل ذلك في قصة أبي بكر وعمر يوم خرج هذا وخرج ذاك ما الذي أخرجكما هكذا ، قال لهما سيد الخلق عندما لقيهما قالوا أخرجنا الجوع قال: ما أخرجني إلا الذي أخرجكما .. رسول الله يخرج من بيته من شدة الجوع يلقى صاحبيه جائعين يمضي إلى رجل من الأنصار فلا يجده في بيته ، ثم يأتي الأنصاري فيفرح بهذه الغنيمة برسول الله وصاحبيه - رضوان الله عليهما - فيذبح لهم ، ويستعذب لهم الماء فيأكلون وجبة شهية هنية ، فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم - والقرآن حيّ في قلبه: ( والله لتسألن عن نعيم هذا اليوم ) .
نعيم يوم عابر مر بعد جوع شديد ومع ذلك استحضر النبي صلى الله عليه وسلم:
{ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ } .
لم تغب عنه الآيات ..لم تغب عنه ذكراها ..لم تغب عنه موعظتها ، وإن كانت الحالة عابرة فكم نحن في حاجة إلى مثل هذا إذا أخذنا بذلك والعودة بعد الغفلة .
مثلها قصة أبي بكر لما أوقف نفقته على مسطح بن أثاثة عندما تكلم في عائشة مع المتكلمين ، وخاض مع الخائضين ، فقال أبو بكر:"والله لا أنفق على مسطح شيئا أبداً"، فتنزلت الآيات: