ليست له حجة عنده وقت في سيارته عنده وقت وهو مستلق على فراشه أن يستمع هذه الآيات عنده وقت ؛ لأن هذه الأسباب قد توفرت وتيسرت ، لكنها الصوارف المشغلة .. لكنها الاهتمامات المنافسة .. لكنها الدنيا التي استولت على قلوب الناس إلا من رحم الله .
الثاني: حسن النية
وقد أخرتها وحقها التقديم ؛ لننظر أنها فاعلة فيما قبلها وبعدها ، ونعني بذلك أن نقبل بصدق ، وأن نستمع وأن نتلو وأن نتعلق بالقرآن في كل أحواله ، وأحوالنا معه بنية خالصة بنية نبتغي بها وجه الله .. بنية نتلمس بها علاج أدواء قلوبنا ، وبرء علل نفوسنا ، وذلك ما نحتاج إليه .. نحتاج إلى هذه النية الخالصة حتى تتحقق لنا النتائج المثمرة ؛ فإننا نعلم أن كل أمر وعمل بلا إخلاص لا ثمرة له .
قال ابن القيم رحمه الله:"العمل بلا إخلاص كالمسافر يملأ جرابه رملاً يثقله ولا ينفعه يحمل حملاً كثيراً لكنه تراب ليس له منه إلا ثقل الوزن دون النفع والفائدة"، ومن هنا قال القرطبي:
"إذا استمع العبد إلى كتاب الله تعالى وسنة نبيه بنية صادقة ما الذي يحصل له ؟ عامله الله - سبحانه و تعالى - بما يحب الله له أفهمه كما يجب وجعل له في قلبه نورا".
ومن كلام ابن تيمية:"من تدبر القرآن طالباً الهدى منه تبين له طريق الحق والله عز وجل قد وعد من أقبل أقبل الله عليه ومن صدق وأخلص أثاب الله عليه ومن تجرد لله عز وجل أعطاه الله عز وجل بقدر إخلاصه { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } ".
وذلك أمر نحتاج فيه إلى مجاهدة نفوسنا .
والثالث: حسن التلاوة:
{ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً } .. (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) كما أخبر المصطفى صلى الله عليه وسلم .
قال النووي رحمه الله:
"اعلم أن التلاوة أفضل الأذكار ليس هناك شيء أفضل من ذكر الله عز وجل ، وأفضل ذكر الله كلامه - سبحانه وتعالى - وتلاوة كتابه"، فما بالنا كذلك منقطعين عن ذلك إلا نزراً يسيراً نقرؤه بلا روية ، وبلا حسن ترتيل ، وبلا استحضار معانٍ كما ينبغي أن يكون الأمر .
ولذلك قال العلماء:"المطلوب شرعاً إنما هو تحسين الصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد والطاعة"كما ذكر ذلك ابن كثير .
ومن هنا قال النووي:"الترتيل مستحب للتدبر ولغيره"، فكم حظنا من ذلك ؟ وقد أشرنا من قبل إلى أنه ينبغي ألا ننقطع عن هذا ، وأن يكون لنا حظ من تلاوة متأنية نحيا بها ، ونحيا فيها ، ونحيا معها ، ونستعيذ الله - سبحانه وتعالى - في أولها لتنصرف عنا شرور الشياطين ، ومضلات العقول وصوارف النفوس الأهواء { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه } .
وذلك كله تهيئة للمقصد الأعظم من بعد في حسن التفكر والتدبر الذي لا يمكن أن يكون إلا بمثل هذه الأمور السابقة ، وهو أمر عظيم وخطواته كثيرة ، ونحن نشير إلى قليل حتى يكون عوناً لنا ، ونسأل الله أن لا يكون حجة علينا .
اجعل لنفسك حظاً من تلاوة على الصفة السابقة في الأوقات التي تستحضر فيها فكرك ، وتحيي فيها قلبك بعيداً عن الناس وعن دنيا الناس ، وعن شواغل وصوارخ الدنيا .
وأفضل ذلك الليل أوله أوسطه آخره .. في أي وقت منه عندما تخلد إلى بيتك وتسكن إلى راحتك وتنعزل وحدك اجعل أنيسك كتاب الله ؛ فإن هذه التلاوة أعظم ما يفيض بها على قلبك النور والهدى ، وعلى عقلك الفهم والإدراك بإذن الله سبحناه وتعالى: { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً } .
قالوا: هي أشد مواطأة بين القلب واللسان ، يتفق القلب مع اللسان ، ويندمج معه ، ويكون معه ؛ لأنه لا صوارف تصرف ولا شواغل تشغل فحينئذ يكون الأثر أعظم ، والطريق إلى التفكر والتدبر أيسر بإذنه سبحانه وتعالى ، ومدارسة جبريل - عليه السلام - لسيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - إنما كانت في الليل وفي ليالي رمضان العظيمة .. لماذا لهذا المعنى الذي تشير إليه هذه الآيات العظيمة ؟ قال ابن حجر رحمه الله:
"المقصود من التلاوة الحضور والفهم ومظنته الليل ؛ لأن الليل مظنة ذلك لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية"وكم في هذا من أثر عظيم ! .
ثم كذلك أمر آخر الوقوف مع دلالات الآيات ، كما روى حذيفة عن سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم - عندما قال:"صليت مع النبي فافتتح البقرة فاختمها ، ثم النساء فاختتمها ، ثم آل عمران واختتمها ، يقرأ مترسلاً ، إذا مر بآية فيها تسبيح سبّح ، وإذا مرّ بآية فيها سؤال سأل ، وإذا مر بآية فيها تعوذ تعوّذ".