وذلك ما كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يحذرون منه ، ويستحضرونه دائماً ، روى الإمام أحمد في كتاب الزهد ، عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - وهو من أرقّ الصحابة وأكثرهم مواعظ ، كانت مواعظ قلبه تفيض على لسانه ، فإذا بها تلج إلى القلوب ، وتأثر في النفوس ، يقول رضي الله عنه وأرضاه في معاني الصلة بالقرآن الكريم:"أخوف ما أخاف أن يقال لي يوم القيامة: يا عويمر أعلمت أم جهلت ! ؛ فإن قلت علمت لا تبقى آية آمرة أو زاجرة إلا أخذت بفريضتها ، الأمر هل ائتمرت ؟ والزجر هل ازدجرت ؟ وأعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ودعاء لا يسمع".
هكذا كانت قلوبهم ونفوسهم .. هكذا أدركوا أنه لابد من فهم وتدبر يحصل به خشوع وتأثر ينطبق ويليه استجابة وتمثل ، وذلك الذي نحتاج إليه ، ولعلنا هنا ونحن نريد أن نيسر الأمر على أنفسنا ، وأن نعين أنفسنا على أن نبلغ مثل هذه الغايات سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه الملهيات وعظمت فيه المشغلات ، وكثرت فيه الفتن ، وتعاظمت فيه المحن ، وصرفت القلوب بالشهوات ، وضلّت العقول بالشبهات إلا من رحم الله ، أفلسنا في حاجة إلى عصمة نعتصم بها ، وإلى ملجأ نلجأ إليه ، فأي ملجأ أعظم من الله ؟ وأي عصمة أعظم من عصمة كتاب الله ؟ وأي نور يبدد الظلمات أعظم وأقوى وأبلج من نور الله عز وجل ؟ ونور كلامه سبحانه وتعالى ؟ كم نحن في حاجة ماسة إلى أن نعيد القول ونردده ونكرره ونزيده في مثل هذه المعاني ، ومهما زاد ؛ فإنه قليل لأن البون شاسع ، والهوة سحيقة ، والفرق عظيم وهائل بين ما تنزلت به الآيات ، وما دعت إليه الشريعة ، وما هو واقع في الحياة ، بل ما هو مستقر في القلوب والنفوس .
ولعلنا هنا نذكر بعضاً مما يعيننا على ذلك ويؤدي بنا إليه في خطوات ميسورة بإذن الله عز وجل ؛ لأننا لا نريد أن نلقي القول على عواهمه ، ولا نريد أن يكون حديثنا مجرد كلمات عظيمة أو ضخمة أو بليغة ، أو ربما يكون فيها شيء من التعظيم والتأثير المؤقت الذي لا ينبني عليه عمل ، ولا نخرج به إلى تغيير واقع ولا نبدأ فيه في تغيير أحوالنا علّ الله - عز وجل - أن يتداركنا برحمته ويغير إذا غيرنا ما في نفوسنا ما في واقعنا كما وعدنا الحق سبحانه وتعالى .
خطوات أولها: حسن الاستماع والإصغاء لكتاب الله عز وجل
كم نسمع من نشرات الأخبار ..كم يسمع كثيرون من الأغنيات ، وكم نسمع من الأخبار والأحوال والأقوال ، وكل ذلك يصب في قلوبنا كدراً يخلط صفاء الإيمان ، وظلمة تطفئ نور اليقين وأحوالاً تقسوا بها القلوب ، كم نسمع من غيبة ونميمة ، كم نسمع من لعن وشتيمة ، أليس لنا حظ نطهر به القلوب من إصغاء يفيض على قلوبنا الخير والنور والهدى والتقى ؟ كم نستمع قبل أن نتلوا ؟ كم نستمع من الآيات ؟ والقرآن قد سجل في أشرطة ويبث عبر موجات الأثير ، ويتلى حتى على الشاشات ، ونستطيع أن نسمعه إذا واظبنا على الصلوات في الجماعات وهو يتردد في المحاريب أناء الليل وأطراف النهار .
ما حظ آذاننا من هذا الإصغاء ؟ وما حظ قلوبنا من هذا الإصغاء ؟
حسن الاستماع هو الأول والمبدأ والفاتحة والبداية {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} وتأمل بلاغة القرآن المعجزة {الذين يستمعون} وليس يسمعون ، فالاستماع أعظم من السماع السماع .. كلام عابر يمرّ على أذنك .. تكون سائراً في طريقك فهذا يتكلم ، لقد سمعته لكنك لم تستمع له .. لم تلق له بالاً .. لم تعطه أذناً واعية ..لم تعطه قلباً حاضراً ، فذلك أمر آخر ، إنما المقصود الاستماع الذي تتوجه له بكليتك ، وتقصده بعنايتك ، وتفرّغ له من وقتك ، وتهيئ له نفسك ، وتستحضر له كل الأسباب التي يقع بها أثره .. { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } .
والفاء للتعقيب السريع ، إن كان استماع حقيقي فثمت بإذن الله - عز وجل - استجابة صادقة {فيتبعون أحسنه} ، والله - سبحانه وتعالى - أمرنا بذلك وبيّن أنه سمة هدايته: { فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ } .
والحق - جل وعلا - يقول: { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .
وكذلك تأمل {فاستمعوا وأنصتوا } ، ثم حينئذٍ تتنزل الرحمة ، وتغشى النفوس والقلوب ، ونرى حينئذ آثار الخشوع والسكينة والتدبر والتأمل عندما نحسن هذا السماع والإصغاء .
ومن كلام وهب بن منبه - رحمه الله - قال:"من أدب الاستماع سكون الجوارح ، وغضّ البصر ، والإصغاء بالسمع ، وحضور القلب ، والعزم على العمل ، وذلك هو الاستماع كما يحب الله تعالى".
ومن كلام سفيان الثوري رحمه الله:"أول العلم الاستماع ، ثم الفهم ، ثم الحفظ ، ثم العمل ، ثم النشر ، فما أحرانا أن نبدأ بهذا ، وهذا ليس لأحد فيه عذر ، حتى الأمّي الذي لا يقرأ عنده فرصة سانحة لينهل من هذا الكتاب العظيم المشغول الذي لا يفرغ".