الأدلة:
أدلة القول الأوّل:
أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على قدميه، فعن أبي سعيد الخدري قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى، فأوَّل شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريد أن يقطع بعثًا قطعه، أو يأمر بشيء أمر به ثم ينصرف .
قال أبو سعيد: فلم يزل الناس كذلك، حتى خرجتُ مع مروان - وهو أمير المدينة - في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه فجبذنِي، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيرتم - والله -.
فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم. فقلت: ما أعلم - والله - خير مما لا أعلم. فقال: إنّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة ( [47] ) .
وقال: أخرج مروان المنبر في يوم عيد، فبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام رجل فقال: يا مروان، خالفت السنة، أخرجت المنبر في يوم عيد، ولم يكن يخرج فيه، وبدأت بالخطبة قبل الصلاة. فقال أبو سعيد: من هذا ؟ قالوا: فلان بن فلان. فقال: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( من رأى منكم منكرًا فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) ) ( [48] ) .
قال الشوكانِيُّ:"وهذا الحديث يدل على أنّه لم يكن في المصلى في زمانه صلى الله عليه وسلم منبر" ( [49] ) .
ويؤخذ منه أيضًا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على قدميه، قال ابن رجب:"وذِكْرُ استقباله الناسِ = يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يرق منبرًا، وأنّه كان على الأرض" ( [50] ) .
أدلة القول الثانِي:
قاسوه على الجمعة، فخطبة الجمعة تكون على المنبر.
الترجيح:
والراجح عدم استحباب إخراج المنبر، ولا بناؤه فيه؛ لأنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يخطب على قدميه، وقد كان بالإمكان أن يأمرهم بإخراجه، أو يبني واحدًا آخر فيه.
وهذا التقرير قد يُشكِل عليه قول جابر رضي الله عنه: قام النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوم الفطر فصلّى، فبدأ بالصلاة ثم خطب، فلما فرغ نزل فأتى النساء ... الحديث ( [51] ) .
فقوله: (( فلمّا فرغ نزل ) )يشعرُ أنّه كان على منبر.
وقد حلّ هذا الإشكال ابن حجر بقوله:"فيه إشعار بأنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب على مكان مرتفع، لما يقتضيه قوله: (نزل) وقد تقدم في باب الخروج إلى المصلى أنّه صلى الله عليه وسلم كان يخطب في المصلى على الأرض، فلعل الراوي ضمّن النزول معنى الانتقال" ( [52] ) .
فهذا هو الذي يخلص إليه البحث أنّ السنة عدم إخراج المنبر في العيدين، ولا تظهر الحاجة للمنبر في هذه الأزمان لتوفر مكبرات الصوت، والله تعالى أعلم .
* مراجع المسألة:
الكتاب (1/345) ، حاشية ابن عابدين (2/169) ، المبسوط (2/ 43) ، بدائع الصنائع (1/ 280) ، الأم (1/394، 397) ، المجموع (5/22، 23) .
الأذان أو النداء لصلاة العيدين:
اتفق العلماء على أنه لا يشرع لصلاة العيدين أذان ولا إقامة، لحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى بغير أذان ولا إقامة ( [53] ) .
فعن مالكٍ أنّه سمع غير واحدٍ من علمائهم، يقول: لم يكن في عيد الفطر، ولا الأضحى = نداء ولا إقامة، منذ زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم.
وقال مالك:"وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا" ( [54] ) .
وقال محمد بن الحسن:"ليس فيهما أذانٌ ولا إقامة" ( [55] ) .
واختلف أهل العلم في هل يشرع لها نداء على صيغة معيّنة؛ كقول المؤذن: الصلاة جامعة ؟ على قولين:
القول الأول:
أنّه لا يُشرع فيها النداء بقوله: الصلاة جامعة، ولا بأي صيغة أخرى .
وهو قول المالكية ( [56] ) .
قال خليل:"ولا يُنادى الصلاة جامعة" ( [57] ) .
القول الثاني:
أنه يستحب النداء لصلاة العيدين بقول: الصلاة جامعة .
وهو مذهب الشافعية، والحنابلة ( [58] ) .
قال الشافعيّ:"وأحبّ أن يأمر الإمام المؤذن أن يقول في الأعياد، وما جمع النّاس له من الصلاة: الصلاة جامعة" ( [59] ) .
الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدلوا بما روي عن جابر أنّه قال:"لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإمام ولا بعدما يخرج، ولا إقامة ولا نداء، ولا شيء، لا نداء يومئذ ولا إقامة" ( [60] ) .
أدلة القول الثاني:
استدلوا بما روي عن الزهري قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر في العيدين المؤذن أن يقول: الصلاة جامعة.
وهذا حديث مرسل لا يقاوم حديث جابر .
واستدلوا بالقياس على صلاة الكسوف، والقياس لا يثبت أمام النصّ .
الترجيح:
والراجح أنّه لا يشرع للعيدين أذان ولا إقامة ولا نداء بالصلاة جامعة، ولا شيء؛ لحديث جابر .
وهو اختيار ابن قدامة من الحنابلة ( [61] ) .
قال: وقال بعض أصحابنا، يُنادى لها: الصلاة جامعة، وهو قول الشافعيّ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم" ( [62] ) ."
فصل: