إذا فاتت حتى تزول الشمس، وأحب قضاءها، قضاها متى أحب، وقيل لا يقضيها إلا من الغد قياساً على الجماعة إذا فاتتها الصلاة، وهو قياس مع الفارق، قال ابن قدامة:"لأن ما يفعله تطوع فمتى أحب أتى به ... بخلاف الحالة الأولى (أي الجماعة إذا فاتها العيد) التي يعتبر لها شروط العيد، ومكانه وصفة صلاته، فاعتبر لها الوقت" ( [80] ) .
أين يقضيها؟
قيل لأبي عبد الله: أين يُصلي؟ (أي من فاتته الصلاة) قال: إن شاء مضى إلى المصلى، وإن شاء حيث شاء ( [81] ) .
صفة القضاء:
يقضيها ركعتين كصلاة الإمام يكبر فيها نحو تكبيرة ويجهر كجهره لما روى عن أنس، أنه (كان إذا لم يشهد العيد مع الإمام بالبصرة جمع أهله ومواليه، ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فيصلى بهم ركعتين، يكبر فيهما) ( [82] ) ؛ ولأنه قضاء صلاة فكان على صفتها كسائر الصلوات، وهي مخير، إن شاء صلاها وحده، وإن شاء في جماعة ( [83] ) ، وهذا مذهب الشافعي ورواية عن مالك ورواية عن أحمد.
والمشهور في مذهب أحمد أن من فاتته صلاة العيد صلى أربع ركعات، كصلاة التطوع، وهي المختارة عند محققي أصحابه، واختاره ابن قدامة في المغني لقول ابن مسعود رضي الله عنه: (من فاته العيد مع الإمام فليصل أربعاً) ( [84] ) . قال الإمام أحمد: يقوى ذلك حديث علي، أنه أمر رجلاً يُصلى بضعفة الناس أربعاً ولا يخطب، ولأنه قضاء صلاة العيد فكان أربعاً كصلاة الجمعة ( [85] ) .
قال الزين ابن المنير: لكن الفرق ظاهر (أي بين العيد والجمعة) لأن من فاتته الجمعة يعود لفرضه من الظهر بخلاف العيد ( [86] ) .
وقال أبو حنيفة، وهي رواية عن أحمد: يخير بين أن يصلي ركعتين أو أربعاً.
وفرق بعضهم بين القضاء في المصلى وغيرها، وفي الجماعة وغيرها.
وذهب ابن رشد إلى أن أقرب الأقوال: هما قول الشافعي وقول مالك ( [87] ) .
قال وأما سائر الأقاويل في ذلك فضعيف لا معنى له ( [88] ) .
التكبير في العيدين:
يستحب للناس إظهار التكبير في ليلتي العيدين في مساجدهم، ومنازلهم، وطرقهم، مسافرين كانوا أو مقيمين لظاهر قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة:185] . وإظهاره يكون برفع الصوت به، لما في ذلك من إظهار شعائر الإسلام وتذكير الغير، كما ثبت عن ابن عمر أنه كان يكبر في قبته بمنى، يسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيراً ( [89] ) .
وقت التكبير:
اختلف العلماء في ابتداء وانتهاء وقت التكبير في العيدين:
أ - وقته في عيد الفطر:
قال مالك: يكبر يوم الفطر دون ليلته، وانتهاؤه عنده إلى أن يخرج الإمام.
وعن أحمد والشافعي: ابتداؤه من رؤية الهلال لقوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} الآية، وإكمال العدة يكون بغروب الشمس من ليلة العيد، وفي انتهائه عند أحمد روايتان، إحداهما: إذا خرج الإمام، وهو قول الشافعي أيضاً.
ب - وقته في الأضحى:
اختلفوا فيه كذلك على أقوال، ولم يثبت في شيء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث، وأصحها كمال قال الحافظ في الفتح، قول علي وابن مسعود ( [90] ) أنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام منى وهو الثالث عشر من ذي الحجة. وهذا قول أحمد وأبي حنيفة، والراجح من مذهب الشافعي ( [91] ) .
وهذا في التكبير المطلق، ويكون على كل حال في الأسواق وغيرها، وفي كل زمان.
أما المقيد الذي يكون عقيب الصلوات فيشرع في عيد الأضحى بلا خلاف، وهل يشرع في عيد الفطر؟ قولان أصحهما أنه لا يشرع لعدم ورود الخبرية، وهو ظاهر كلام أحمد وجمهور الشافعية.
وإذا نسي الإمام التكبير كبر المأموم، وهذا قول الثوري، ذكره ابن قدامة في المغني ( [92] ) .
والمسبوق ببعض الصلاة يكبر إذا فرغ من قضاء ما فاته، نص عليه أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم.
حكم التكبير لمن صلى منفرداً في هذه الأوقات:
الجمهور أن المنفرد يكبر بعد الصلاة لأنه ذكر مستحب للمسبوق، فاستحب للمنفرد، وهو قول مالك والشافعية ورواية عن أحمد.
والمشهور من مذهب أحمد أن المنفرد لا يكبر لقول ابن مسعود: إنما التكبير على من صلى في جماعة ( [93] ) . وكذا نقل عن ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده، وهو قول أبي حنيفة.
حكم التكبير خلف النوافل:
الجمهور أنه لا يكبر خلف النوافل.
والراجح عن أصحاب الشافعي جوازه، ورجحه ابن حجر في الفتح.
هل يكبر عقيب صلاة العيد؟
ظاهر كلام أحمد أنه يكبر، لأنها صلاة مفروضة في جماعة فأشبهت الفجر، واختاره صاحب المغني ( [94] ) . وقيل لا يسن لأن الأثر إنما جاء في المكتوبات.
حكم تكبير النساء:
روايتان عن أحمد، الأولى: يكبرن، وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد ( [95] ) .
وينبغي لهن أن يخفضن أصواتهن حتى لا يسمعهن الرجال.
والرواية الثانية عند أحمد: لا يكبر؛ لأن التكبير ذكر يشرع فيه رفع الصوت فلم يشرع في حقهن كالأذان.