4-أنها وصف رسل الله وأنبيائه، ونعت ملائكته وأوليائه، قال تعالى: {وَلَهُ مَن فِى السَّمَاواتِ وَالأرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبّحُونَ الْلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:19، 20] ، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف:206] ، وقال: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الْمَلَئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً * فَأَمَّا الَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذّبُهُمْ عَذَاباً أَلُيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} [النساء:172، 173] .
قال القرطبي:"قوله تعالى: {لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ} أي لن يأنف ولن يحتشم {أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ} أي من أن يكون... {وَمَن يَسْتَنْكِفْ} أي يأنف {عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ} فلا يفعلها {فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ} ... {جَمِيعاً} فيجازي كلا بما يستحق، كما بينه في الآية بعد هذا... أي لن يمتنع المسيح ولن يتنزه من العبودية ولن ينقطع عنها ولن يعيبها".
وقال سبحانه: {عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً} [الإنسان:6] ، وقال: {وَعِبَادُ الرَّحْمَانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} [الفرقان:63] .
قال القرطبي:"أضافهم إلى عبوديته تشريفا لهم... فمن أطاع الله وعبده وشغل سمعه وبصره ولسانه وقلبه بما أمره فهو الذي يستحق اسم العبودية، ومن كان بعكس هذا شمله قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأعراف:179] ".
وقال في وصف ملائكته: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:26-28] .
وقال في وصف عيسى عليه السلام: {إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لّبَنِى إِسْراءيلَ} [الزخرف:59] .
وقال تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْراهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى الأيْدِى وَالأبْصَارِ * إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ * وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مّنَ الأخْيَارِ} [ص:45-48] .
وقال عن داود: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:17] .
وقال عن سليمان: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:30] .
وقال عن أيوب: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ} [ص:41] .
وقال عن نوح: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء:3] .
5-أنها من محاسن الفضائل وكرائم الخصائل التي أمر الله تعالى بها جميع الأمم، قال تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِى الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً} [النساء:36] .
قال القرطبي:"أجمع العلماء على أن هذه الآية من المحكم المتفق عليه، ليس منها شيء منسوخ، وكذلك هي في جميع الكتب، ولو لم يكن كذلك لعُرف ذلك من جهة العقل، وإن لم ينزل به الكتاب، وقد مضى معنى العبودية وهي التذلل والافتقار لمن له الحُكم والاختيار، فأمر الله تعالى عباده بالتذلل له والإخلاص فيه، فالآية أصل في خلوص الأعمال لله تعالى وتصفيتها من شوائب الرياء وغيره".
6-أنها غاية دعوة جميع الرسل، فبها أرسل الله الرسل ومن أجلها أنزل الكتب، قال نوح لقومه: {اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مّنْ اله غَيْرُهُ} [الأعراف:59] ، وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم.
وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل:36] ، وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25] .
قال ابن تيمية:"وكل رسول من الرسل افتتح دعوته بالدعاء إلى عبادة الله".