فهرس الكتاب

الصفحة 3279 من 9994

وقال:"القلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة وهي العلة الغائبة، ومن جهة الاستعانة والتوكل، وهي العلة الفاعلة."

فالقلب لا يصلح ولا يُفلح ولا يلتذّ ولا يُسَرُّ ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن، إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، ومن حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذة والنعمة والسكون والطمأنينة.

وهذا لا يحصل إلا بإعانة الله له، فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله، فهو دائماً مفتقر إلى حقيقة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، فإنه لو أُعين على حصول ما يحبه ويطلبه ويشتهيه ويريده، ولم يحصل له عبادةٌ لله، فلن يحصل إلا على الألم والحسرة والعذاب، ولن يخلص من آلام الدنيا ونكد عيشها، إلا بإخلاص الحب لله، بحيث يكون هو غاية مراده، ونهاية مقصوده، وهو المحبوب له بالقصد الأول، وكل ما سواه إنما يحبه لأجله، لا يحب شيئاً لذاته إلا الله"."

ولبيان هذه الحقيقة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أصدق الأسماء حارث وهمام ) )، قال شيخ الإسلام:"فالحارث: الكاسب الفاعل، والهمّام: فعّالٌ من الهم، والهم أوّل الإرادة، فالإنسان له إرادة دائماً، وكل إرادة فلا بد لها من مراد تنتهي إليه، فلا بد لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته، فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وإرادته، بل استكبر عن ذلك، فلا بد أن يكون له مرادٌ محبوب يستعبده غير الله، فيكون عبدا لذلك المراد المحبوب، إما المال، وإما الجاه، وإما الصور، وإما ما يتخذه إلها من دون الله، كالشمس، والقمر، والكواكب، والأوثان، وقبور الأنبياء والصالحين، أو من الملائكة والأنبياء الذين يتخذهم أرباباً، أو غير ذلك مما عُبد من دون الله".

مجموع الفتاوى (1/21-31) .

مجمع الفتاوى (5/514-515) .

العبودية (ص91) .

العبودية (ص131-133) .

العبودية (ص138) .

خامساً: فضل العبودية ومكانتها:

والمراد بالعبودية الممدوحة العبودية الاختيارية التي يوفق الله لها من يشاء من عباده بحكمته ورحمته، فمن فضائلها:

1-أنها الغاية المحبوبة لله تعالى والمرضية له، والتي من أجلها خلق سبحانه الخلق، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] .

قال القرطبي:"أي: ليذلوا ويخضعوا لي".

وقيل: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم، وقيل: إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرها.

وقال السعدي:"هذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته المتضمنة لمعرفته ومحبته والإنابة إليه والإقبال عليه والإعراض عما سواه، وكلما ازداد العبد معرفة بربه كانت عبادته أكمل، فهذا الذي خلق الله تعالى المكلفين لأجله، فما خلقهم لحاجة منه إليهم".

2-أنها أول أمرٍ أمر الله به في كتابه العزيز وأهمه وأعظمه قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:21] .

قال القرطبي:"قوله تعالى: {اعْبُدُواْ} أمر بالعبادة له، والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه، وأصل العبادة الخضوع والتذلل، يقال: طريق معبّدة إذا كانت موطوءة بالأقدام... والعبادة الطاعة، والتعبد التنسّك".

وهو أمر واجب لازم حتى الممات قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] .

3-أن الله وصف بها النبي صلى الله عليه وسلم في أشرف الحالات، فقال في حادثة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ} [الإسراء:1] ، وقال في حالة الإيحاء: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم:10] ، وقال في مجال الدعوة: {وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً} [الجن:19] ، وقال في ميدان التحدي: {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ} [البقرة:23] .

قال القرطبي في تفسير آية الإسراء:"قال العلماء: لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة العلية، قال القشيري: لما رفعه الله تعالى إلى حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية تواضعاً للأمة".

وهي المنزلة التي رضيها النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه، قال صلى الله عليه وسلم: (( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت