فهرس الكتاب

الصفحة 3178 من 9994

أيضاً هناك إستدلالات خاطئة تقع في هذا، فعندما يكون امرؤ يعني يأخذ بهذه الأساليب ورجاحة العقل ويلتمس الطرق الناجعة المؤثرة ، يستدل بعض الناس على أنه لم يقم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وقد قلنا ما قال أسامة أترون أني لا أكلمه الا ان أعلمكم ؛ فإن هذا أمر يحتاج إلى هذه الإرشادات أو الإلماحات التي ذكرتها .

المحطة الرابعة: رحابة الصدر وسعة الخلق

وذلك ليستوعب الداعية الناجح من حوله من الناس ؛ فإنه كما أثر: ( لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن تسعونهم بأخلاقكم ) .

ولا بد أن تعرف أن للناس مطالب كثيرة وتساؤلات عديدة تحتاج منك إلى الإحتمال وكما قيل الإحتمال قبر المعايب،وسعة الأخلاق هي التي تربط الناس وتؤثر فيهم،وقد جاء من ذلك من هديه عليه الصلاة والسلام وإرشاداته الكثيرة مما يصعب حصره ويصعب حتى ذكر بعضه وإنما نذكر في عجالات سريعة .

فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مثالاً لهذا الأمر في رحابة صدره وسعة خلقه ، فهذا أنس يخبرنا أنه خدم النبي - عليه الصلاة والسلام - عشر سنين ، وطبيعة الخدمة والخادم أن يُؤمر وان يُنهى وأن يُعاتب وأن يُلام وأن يُعاقب وأن يُزجر، قال:"فما قال لي قط أفٍ قط ـ طوال عشر سنين - وما قال لشيء فعلته لم فعلته ولا لشيء لم أفعله هلاّ فعلته".

فتأمل كيف كان يوجهه ؟ وبأي أسلوب كان يأمر ؟ إنه أسلوب العظة المؤثرة من غير ما هذه الزوايا الحادة والأوامر الصارمة ، وبذلك الأسلوب العظيم الذي كان له - صلى الله عليه وسلم - وفي الصحيح عن أنس: أن أعرابياً جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وعليه بردٌ نجراني غليظ الحاشية فجذبه أي جذب الأعرابي النبي - عليه الصلاة والسلام - من برده حتى أثرت حاشية البرد في النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول له: مر لي بعطاء ، يعني يريد أن يأخذ عطاء أو استجداء ويأتي بهذا الأسلوب فماذا فعل النبي - عليه الصلاة والسلام - ؟ تبسم في وجهه وأعطاه .

لو أن أحدنا وقع له هذا لما كان منه الا أن أحاط يده ، وربما رد عليه رداً يجعله أكثر نفوراً ، وهكذا ينبغي أن نجد من آثار هذه الرحابة والسعة في التأثر والشفقة ، الداعية الناصح الواعظ لا بد أن يكون شفيقاً يتقطع قلبه حزناً على معصية العاملين وإعراض المعرضين ، لا يفرح كما يظن بعض الناس:"هؤلاء عصاه زجرتهم فلم يتعظوا أهلكهم الله"، و كما يقول بعض النا س أيضاً باللهجة العامية:"في ستين داهية"ونحو ذلك .

كل هذا لا يمتثل هذه المعلم المهم في جذب الناس .

والله - سبحانه وتعالى - قد خاطب النبي - عليه الصلاة والسلام - ووصفه في القرآن فقال: { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً } ، أي مهلك نفسك ومقطعها لا لشيء إلا لأنك تريد هداية الناس ، وقال جل وعلا: { فلا تذهب نفسك حسرات عليهم } ، نهاه الله لما رأى شدة حزنه وإشفاقه على أولئك .

وفي الحديث الصحيح عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال:"كأني انظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكى نبياً من الانبياء ضربه قومه فأدموا وجهه ويقول وهو يمسح الدم عن وجهه: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون".

هذه هي الشخصية التي تستوعب الناس .. تستقطبهم تجذبهم كما يجذب المغناطيس برادة الحديد، ولذلك أيضاً نجد الشفقة في حديثه عليه الصلاة والسلام: ( لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ) .

وفي حديث عائشة رضي الله عنها: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل يحب أن يعمل به خشية أن يفرض على الناس .

فما بالنا نجد بعض الناس يحنث ويشدد على الناس ، ويلزمهم بما لا يلزمهم أو بما لم يُلزمهم به الشرع !! هذا أسلوب يدلنا على رحمة في القلب وشفقة في النفس تجعل المرء الناجح محباً ومشفقاً على المنصوح فيقع لذلك أثره العظيم المهم .

ولذلك أيضاً نذكر المثل الذي ورد في حديث جابر قال: غزونا مع النبي - عليه الصلاة والسلام - غزاة قِبَل نجد ، ثم جئنا إلى وادٍ كثير العضاة فنزلنا فيه أي من شدة التعب ، وجعل الناس يستظلون بالشجر ، واستظل رسول الله بشجرة فنمنا نومة فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعونا وعنده أعرابي ، فقال - عليه الصلاة والسلام -: إن هذا الرجل اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده نصله ، فقال من يمنعك مني، فقلت: الله ثلاثاً فسقط السيف من يده ، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم .

كل هذا يدل على النفسية التي ينبغي أن نتصف بها إذا أردنا أن نؤثِّر في الناس ، لا بد أن ندرك ذلك ،وقد قال بعض السلف في وصف بعض العلماء والأئمة ، وهو أبو إسحاق الشيرازي قال:

"صحبته فشاهدت من حسن أخلاقه ولطافته وزهده ما حبّب اليّ لزوم صحبته فصحبته إلى أن مات".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت