فهرس الكتاب

الصفحة 3179 من 9994

والناس يلتفون حول من يعين محتاجهم ويغيث ملهوفهم - كما سنذكر أيضاً - فهذا المعلم مهم جداً .. سعة الصدر .. تقبّل الأخطاء .. تجاوز عن التسرُّع ، ولا تكون سريع الغضب تموج في محاجَّتك ، وإنما ينبغي أن نقف على هذا المعلم الذي أشرت إليه .

المحطة الخامسة: الجرأة الواعية والثبات الراسخ

الناس - أيها الإخوة - في الملمات يجمحون ويتقدم الداعية الناصح الواعظ ، تتقدم به جرأته في الحق مصحوبة بحكمته في التعرف ، فإذا هو حينئذ محط الأبصار ومتعلق القلوب ، يصفه الناس بالشجاعة والإقدام ، وعندما تحل المصائب وتقع الأزمات ينفرط عقد الناس ويتخاذل كثيرون فيثبت حينئذ هذا الداعية الناصح المتصل بالله - عز وجل - ويكون ثباته بمثابة استقطاب للناس ، وتأثير فيهم وردعهم عن نكوصهم وتثبيتهم على إيمانهم، ولذلك هذا أمر مهم جداً أن يكون الداعية أو هذا الناصح متميزاً بهذه الجرأه لكنها جرأة وليست جرأة متهورة ولذلك ثباته لا يعتريه تلون ولا تراجع .

فانظر على سيبل المثال في سيرة المصطفى - عليه الصلاة والسلام- ما ورد في حديث أنس أن الناس فزعوا يوماً في المدينة على صوت صارخ في الليل، ماذا يصنع الناس في مثل هذا الموقف كل واحد يتلصص بالنظر فينظر هل تحرك غيره فاذا رأى أن هذا تحرك وهذا تحرك وهذا ينتظر هذا وهذا ينتظر هذا، فتجمعوا ليزيل بعضهم خوف بعض ، أما أن يتقدم أحدهم فهذا غالباً ما يكون متصفاً به المقدام منهم، قال:"سمع الناس صوت صارخ قال: فخرجنا ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم راجع من قبل الصوت على فرس عرِيِّ لأبي طلحة ـ أي من غير سرج - وهو يقول للناس: لن تراعوا ، لن تراعوا".

يوم حنين يوم هاج الناس وماجوا وارتد أولهم على آخرهم وانفرط العقد ، كان النبي - عليه الصلاة والسلام - على بغلة ـ والبغلة لا تجري ولا تسرع وليس مناسبة للفرار - فثبت النبي - عليه الصلاة والسلام - وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ، ونادى العباس: هلموا هلموا فكان ثباته هو بؤرة التجمع .

وعلي يقول:"كنا إذا حمي الوطيس واحمرَّت الحُدق نتِّقي برسول الله - صلى الله عليه وسلم-"، في المقدمة وليس في المؤخرة .

وعائشة - رضي الله عنها - بينت لنا مثل هذه الأوصاف في مواضع شتى ، ويحتاج الناس إلى هذه الجرأة عند المواقف الحاسمة والملمات العصيبة .

وانظر - رعاك الله - إلى موقف ابي بكر - رضي الله عنه- عندما مات المصطفى - صلى الله عليه وسلم- فطاشت العقول لهول المصيبة ، حتى قال عمر: من قال أن محمداً قد مات ضربته بسيفي هذا ، والله ما مات رسول الله وإنما ذهب إلى لقاء ربه كما فعل موسى عليه الصلاة والسلام ، وذُهل الناس واضطربوا ، فجاء أبو بكر - رضي الله عنه- طود إيمان شامخ وصاحب يقين راسخ ، فقال: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، وقرأ: { وما محمدٌ الا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم } ، قال عمر رضي الله عنه: والله لكأني ما سمعتها إلا يومئذ ."

فقد كان أبو بكر أعظم حباً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة أجمعين ، وكان أشدهم قرباً له ، ولكنه كان في الوقت نفسه أعظمهم إيماناً فكان هذا الموقف الذي يحكيه بعض الصحابة في وصفه قائلاً:"كنا عند موت الرسول - عليه الصلاة والسلام - كغنم في ليلة مطيرة شاتية ، حتى جمعنا الله بأبي بكر رضي الله عنه".

ونعلم قصة الفتنة والمحنة وخلق القرآن وما حصل فيها من فتنة الناس ، ومن موت بعض العلماء ، ومن إجابة بعضهم وغير ذلك ، حتى ثبت الإمام أحمد - رحمة الله عليه- حتى قال القائلون:"أبو بكر يوم الردة وأحمد يوم المحنة".

ثبت وحده ويُروى أن بعض أصحابه جاء له يدعوه إلى التخلص يا أبا عبد الله إن لك أبناء وإن لك كذا، وإن في الرخصة مندوحة، فقال له:"إن كان هذا عقلك فقد استرحت".

وثبت - رحمة الله عليه- وهنا جاء الاستقطاب ، وهكذا كانت شخصيات الأئمة والعلماء والدعاة والمصلحين ، هذا ابن تيمية - رحمة الله عليه ورضي الله عنه - أيضاً، وقف هذا الموقف الشجاع الجريء في موقفه في تحريض المؤمنين على قتال التتار ومجاهدتهم، ولما حلّت به بعض النكبات والمصائب قال:"ما يفعل أعدائي بي ؟ أنا جنتي في صدري ، إن سجني خلوة ونفي سياحة وقتلي شهادة".

هذه الجرأة الواعية والثبات الراسخ لا شك أنه في مثل هذه المواقف قد بلغت القلوب الحناجر وانحدجت الأبصار وذهلت العقول، أما الانسان الذي يريد للناس أن يتأثروا به وهو على غير هذه المراتب العليا والصفات المثلى فذلك أمر بعيد، الأمر في هذا طويل والأمثلة كثيرة وهذه الأمثلة في الحقيقة لها أثر عظيم في تذكير الناس بالقدوات وتأثيرهم عند الملمات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت