فهرس الكتاب

الصفحة 3177 من 9994

ما رد عن فريته أو ادعاءه أو اتهامه له بالجنون ، بل كلما انصرف إلى صارف ما زال موسى - عليه السلام - يقرر هذه الحقيقة وهذا من رجاحة العقل ، أما ضعيف العقل فكلما قيل له أمر رد عليه ، وكلما فتحت له قضية ناقشها وهذا يجعله يفوه ويدور ويضيع في هذه الحلقات المفرغة ، ويقول بعد ذلك: إن الناس لم يستجيبوا وهو الذي شوَّش على نفسه وشوش على غيره ، ولم يحصل من وراء ذلك شيء .

4 ـ الإسرار لا الإشهار

وهذا أسلوب اتبعه النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكره سلف الأمة فقال قائلهم وهو الفضيل بن عياض رحمه الله عليه:"مؤمن يستر وينصح والفاجر يهتك ويفضح".

فلا شك أن العاقل اللبيب لا يمكن ان يتوقع من الناس ان يقبلوا منه وهو يشهر لهم ويفضحهم على رؤوس الاشهاد ، إن النتيجة شبه الحتمية في مثل هذا الموقف Hن ذلك المخطئ سيصر على خطأه ، بل سيجاهر به ، بل سيحارب وينافح ليبقى عليه ، والأمر لو كان على غير ذلك لكان له أثره كما قال الشافعي رحمة الله عليه:"من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه".

وكذلك فعل الصحابة - رضوان الله عليهم - لما طلب بعضهم من أسامة بن زيد - رضي الله عنه - أن يكلم عثمان في بعض الأمور ، ثم قالوا له ألا تكلمه ، فرد عليهم رداً فيه درساً وعبرة قال:"ألا ترون أن لا أكلمه الا أن أسمعكم".

هل لا بد أن أنصحه أمامكم ؟ هل لا بد ان أعلن بأنني اليوم أنصح فلاناً أو سأعظ فلاناً ؟ ، ذاك بيني وبين الله وسرٌ بيني وبينه ليكون أدعى إلى القبول .

5 ـ التلميح دون التصريح

وهو نهج النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان يقول: ( ما بال أقوام يفعلون كذا ) يكني ويعرض حتى لا يحدد الأشخاص وما فائدة التحديد إن الناس يريدون أن يعرفوا الأمر وبطلانه ودليل ذلك البطلان ؛ فإن فعله زيد أو عبيد فقد عرفوا الحكم وعرفوا الدليل ، وهذه المعرفة تغنيهم عن الفاعل لهذا الأمر في أكثر الأحوال ، وفي بعضها حالات معينه قد يكون هناك ما يستدعي ذلك ، لكن الأشهر والأكثر هو أن هذا النهج هو الذي كان نهج النبي عليه الصلاة والسلام على غرار قول القائل:"إياك أعني واسمعي يا جارة"، فالمقصود هو المنكر بغض النظر عن فاعله ، ومن خلال هذا التعريض والإسرار يمكن أن يعرف الباطل من طريق لا يحصل به غضب المخطئ ولا تعصبه لفعله ولا إصراره عليه ، والتصريح في أكثر الأحوال يهتك حجاب الهيبة ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف ويهيج على الأحرار .

ولذلك من لطائف ما ذكر ابن حجر - رحمه الله عليه - في ما أورده من الأحاديث في تعليقه على أحاديث كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة في آخر كتاب البخاري:

أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله الصحابة فأكثروا الاسئلة ، فرقى المنبر فقال: سلوني سلوني وهو يتكلم تكلُّم المغضِب ، فقام رجل من القوم فقال يا رسول الله: أين مدخلي، فقال: النار )

علق ابن حجر قال ولم يعرف له اسم قال:"ولعلهم ستروا عليه، وهذا رضي حكم النبي - عليه الصلاة والسلام - بأنه من أهل النار ومع ذلك ستروا عليه ولم يشهروا به".

فكيف قد وقع في خطأ ، أو زلت به قدم ، أو وقعت له غفلة ؟ كيف يمكن أن نشهر به أو أن نحكم عليه أو أن نصمه عياذاً بالله بفسق أو بتبديع أو بكفر من غير حجة ولا بينة ومن غير أخذ طريق الإصلاح الذي دلنا عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن ذلك أيضاً نعرف من هذا حوادث كثيرة .

6 ـ أسلوب الرفق لا العنف

ورد في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها: ( ما دخل الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع منه الا شانه ) ، أو كما في معنى الحديث .

ونعلم جميعاً قصة الأعرابي الذي بال في المسجد فأراد الصحابة أن ينهروه ، فقال النبي: لا تزربوه ، وفي رواية: لا تقطعوا على الأعرابي بولته ، وهذا تعليم من النبي - عليه الصلاة والسلام - لضبط الصحابة ، وكبح جماحهم ، ولإعطائهم صفة الإتزان ، ثم لما قضى الإعرابي قال للصحابه ولم يقل للاعرابي: اهريقوا على بول الأعرابي ذنوباً من الماء ، هم الذين يغسلون بولته حتى يعلمهم كيف تكون التؤده وحسن التصرف ، ثم قال له: إن هذه المساجد بيوت الله لا تصلح أو لا يصح فيها شيئاً من الأذى .

وهكذا نجد بعض الناس عندهم حمية زائفة تجده يريد أن يقول .. يريد أن ينهي عن المنكر أو يأمر بمعروف أو أن يبين غيرته أو أن يؤثر في الناس ، فكلما وقع خطأ صغير هاج وماج وأرغى وأزبد وأقام الدنيا ولم يقعدها ، وليس الأمر كذلك ولا أثر في غالب الأحوال من وراء ذلك، وبعض الناس غيرته مدفوعة فإذا وقع أمر وأراد أن يتلطف جاءه من يقول له ويحك ألا ترى هذه المنكرات ، وأنت أصم أخرس أو أنت كذا ، يقول: أريد أن أقول بالحسنى أريد أن أسر بالنصيحة فيأتيه من يقول: أنت متميّع أنت متكاسل .. أنت متهاون .. فما يزال يدفع حتى يخرج عن هذا الاتزان والأسلوب ونحو ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت