فهرس الكتاب

الصفحة 3176 من 9994

وكذلك أسلوب آخر وهو أسلوب التقرير وهو من الأساليب المهمة التي تدل على الفطنة والذكاء ورجاحة العقل، الله - جل وعلا - يقول: { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ـ أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون ـ أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون } ، إلى آخر الآيات حتى قال جل وعلا: { أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون } .

هذا التقرير خُلقوا من غير شيء كلهم يقولون لا، خلقوا السماوات والارض كلهم يقرون بلا، إذاً بهذه المقرَّرات والمسلَّمات نصل إلى إثبات ما وراءها مما كان ينكره الناس أو لا يعرفون حقيقته أو يجهلون مزيته ، ولذلك أيضاً يقص الله علينا خبر إبراهيم الخليل - عليه السلام - داعية من الرسل والأنبياء يميِّز بالحصافة ورجاحة العقل ، فالله سبحانه وتعإلى يقص علينا خبره بقوله: واتل عليهم نبأ ابراهيم * إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون * قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون* قال افرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون * فإنهم عدوٌ لي الا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين )

إلى آخر الايات، فاستخدام ما هو مقرَّر عندهم ، قررهم هل يسمعونكم إذ تدعون ؟ فيجيبون: لا ! ، هل ينفعونكم أو يضرون ؟ سيجيبون: لا ! ، إذاً ما دمتم قد عرفتم ذلك فاعرفوا ما وراءه من الحق ، ولذلك استخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأسلوب ، فكان أعظم أسلوب في الإقناع العقلي والإشباع العاطفي في الوقت نفسه .

جاء رجل إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - فقال: يا رسول الله إن امرأتي جاءت بهذا أي بغلام أسود - كأنه ينكر أن يكون منه - فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هل لك من إبل ؟ قال: نعم ، قال: ما لونها ؟ قال: حمرٌ يا رسول الله ، قال: فهل فيها من أورق ؟ قال: نعم قال: فكيف جاء هذا الأورق من هذه الإبل الحمر ؟ قال: يا رسول الله لعله نزعه عرق ، قال: فلعله .

أي فلعل هذا أيضاً نزعه عرق .

قرره بشيء يعرفه وبحقيقة يدركها ثم اثبت له ما وراء ذلك ، فسلم واقتنع ورضي ، وزال من نفسه ذلك الشك ومحيت تلك الريبة .

وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الامام أحمد - في قصة الشاب من الأنصار الذي جاء إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - يستئذنه في الزنا ، وما أعظم هذا عندما تتصور أن هذا جاء إلى رسول الله يستئذنه في ارتكاب الفاحشه ، فماذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ؟ ما نهره ولا قال هذه شهوات آثمة ولا ولا ، وإنما قال له بأسلوب هين لين: أترضاه لأمك ؟ قال: لا، قال: ولا الناس يرضونه لأمهاتهم ، أترضاه لإبنتك ؟ أترضاه لأختك ؟ أترضاه لخالتك ؟ في كل ذلك يقول: لا ، ثم ضرب النبي - عليه الصلاة والسلام - على صدره ودعا له أن يطهر الله قلبه ، فشفاه الله من هذا ببركة دعاء النبي عليه الصلاة والسلام .

وبهذا الأسلوب التقريري الذي يقيم الحجة على الإنسان من غير ما مراوغة ، وكذلك استخدام الصحابة بل نساء الصحابة هذا الأسلوب ، وفي ذلك مثلٌ عظيمٌ في قصة أم سليم - رضي الله عنها- لما كان ابنها مريضاً ثم توفاه الله - عز وجل - فجاء زوجها فتصنعت له وتحسنت حتى غشيها ، ثم بعد ذلك ، قالت له أرأيت قوماً أخذوا من قوم عارية ثم جاء أصحابها فطلبوها فيهم أيردونها لهم ؟ قال: نعم، قالت: فإن الله قد استرد عاريته فاحتسب ابنك ، فمهدت بهذا التقريب وبهذا الأسلوب . فإذاً لا بد أن يكون هناك هذه الأساليب .

3 ـ التسليم والإبطال

أسلوب التسليم والإبطال تسلم بالأمر الذي لا يسلم لا لشيء ولا لكونه حقاً ، ولكن لأن لا تخرج إلى مهاترات جانبية ، وقضايا هامشية ، ونزاعات فرعية ، وتترك الجوهر الذي ينبغي أن تصل إليه ؛ فإن أهل الباطل يأتونك بأمور عارضة ، وبقايا صغيرة حتى تنصرف عن إثبات الأصل الأصيل والركن الركين لا بد أن تفطن أن الأصول هي التي إذا قررت قادت الناس إلى قبول الفروع وهكذا ، لذلك تجد في قصة إبراهيم الخليل - عليه السلام - لما قال الله عز وجل: { ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربيَ الذي يحيي ويميت قال أنا أحي وأميت } .

ما توقف إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - عند هذا وقال كيف تحي وتميت ورد وهذا ليس بإحياء ، لم يحصل ذلك منه بل تجاوز هذه النقطة وسار معه حتى تنقطع به حجته ، قال: أنا أحي وأميت ، { قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } .

والأمر ليس للمعاندة وإنما انظر إلى أر هذه المناظرة في الناس الذين يسمعون وينظرون ويبصرون ، وكذلك في قصة موسى عليه السلام التي ذكر الله عز وجل في صورة الشعراء كلما جاء فرعون بمخرج قص موسى في طريقه في اثبات الربوبية والألوهية لله وإبطالها عن فرعون: { إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت