وهكذا فإنك ترى بعض الناس يأتي إلى الزواج ويحدث الناس عن الموت، أو العكس ويخلط الأمور، فلكل مقام مقال، أو تكون عنده قضية معينة، فيحاول أن ينهي كل شيء في المجلس الواحد. إذن لا بد من التأني والتربص، والتحلي بالصبر، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوتنا في ذلك، وكذلك في المواقف العمرية فقد كان - رضي الله عنه- يستعجل ولكن الرسول عليه الصلاة والسلام ببصيرته النافذة يرى غير ذلك ، فيرجع الأمر مرة بعد مرة ، وبعد ذلك تظهر حكمة النبي - صلّى الله عليه وسلم - .
فلذلك لا بد للداعية من الصبر والأناة، والتحلي بالصبر وعدم الاستعجال في قطف الثمرة، وهذا يحتاج إلي:
1-أن يدقق التصويب، وأن يستفرغ الجهد في الإصابة، لئلا ينتج عن الخطأ نوع من تنفير الصيد، الأمر الذي يجعله يحتاج إلي وقت آخر، وهذا أمر مهم، فتنفير الصيد خطأ يحصل في أسلوب التعامل مع المدعو، فلا بد للداعية أن يحسن اختيار الطعم مهما كان غالي الثمن، ولا بد أن يقدم الإنسان الصورة التي يستميل إليها القلوب والتي يرغب فيها المدعو ترغيبا حسنا، فان كان المدعو يتألف بالمال فليكن طعمه المال، وأن يتألف بحسن الكلام وفصيح البلاغة فليكن كذلك، فقد كان يشجّع حسان - رضي الله عنه - فيقول له: (اهجهم وروح القدس معك) ويقول أيضاً عنه وعن غيره من الشعراء الذين نافحوا عن الإسلام-: ( والله لكأنكم تنضحونهم بالنبل ) ، فلا بد أيضا أن يقدم الأمر الذي يحتاج إليه، والذي يناسب ذلك الإنسان .
2-البعد عن الخطأ القاتل، الذي يكون فيه تنفير الصيد بحركة معينه، أو صوت معين، ربما ينفر به الصيد، ومنه يكون فقدان هذا الصيد الذي قد يعود أو قد لا يعود.
والنبي - صلّى الله عليه وسلم - كثيراً ما كان ينبه أصحابه إلى عدم تنفير المدعو، فهذا الأعرابي الذي بال في المسجد، فقام الصحابة ينهوه عن ذلك فقال - عليه الصلاة والسلام: ( لا تزرموا على الأعرابي بولته ) فلما فرغ قال لأصحابه: اهريقوا على بوله دلوا من ماء، ثم قال النبي - صلّى الله عليه وسلم -: للأعرابي ( إن هذه المساجد بيوت الله لا تصلح لبول أو غيره )
3-و كذلك الصياد الذي يصرفه عن الصيد منظر جميل، فكذلك الداعية لا تتعلق عيونه في أموال الناس، ومدحهم ،و بحسن منظرهم، أو صورهم، أو يرى تجمع الناس حوله فيفرح بذلك وينتقل بهذا عن مهمته الأساسية، وهنا مكمن الخطورة، والمنزلق والوخيم، لماذا؟
لأنه يكون أول قصده، ثم من بعد ذلك تحيط به ظروف فتراه ينشغل بها مرة بعد الأخرى، وما علم أنه إنما أراد من الناس دعوتهم إلى الله - سبحانه وتعالى- وأنه لا يبتغي الأجر إلا من الله . و لذلك جاء القران على ألسنة الأنبياء - صلوات الله عليهم وسلم: { قل ما أسألكم عليه من اجر إن أجري إلا على الله } .
وقد روى ابن القيم عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه رأى مجموعة يمشون خلفه فقال لهم: ما شأنكم ؟ فقالوا: نحب أن نمشي معك فقال: لا إنما هو ذلة للتابع وفتنة للمتبوع .
و روي عن الإمام البخاري -رحمه الله عليه- أنه كان يقول:"قد استوى عندي المادح والذام". إن مدحه الناس أو ذموه ما صرفه ذلك عن مهمته، ولا يحمله المدح بأن يفرح، ولا أن ينصرف إليه.
الاهتمام بالمدعو بعد دعوته
و نقول في آخر الأمر أن الصياد الماهر ينتفع بصيده، فلا يهمله ويتركه هملا، وإنما ينتفع به بكل وجه من الوجوه، وهكذا الذي بذرت في قلبه بذرة الخير، ووضع في نفسه حب الالتزام لا بد له أن يرعى هذه البذرة حتى تنمو، وتستوي على سوقها وحتى تؤتي ثمارها، وحتى يكون من بعد هذا الذي تأثر صياد آخر فيكثر الصيد، ويعظم الأثر.
و عليه لا بد أن ترشده في كل شأن من الشؤون، إن كان يتقن أمرا فلا بد أن ينتقل من دور الأخذ إلي دور العطاء، ومن دور الطلب إلى دور الإرشاد.
بعض الناس يذكر الناس ويعظهم، وربما يرشدهم ويربيهم، ثم لا يوجههم، لأن يكونوا دعاة خير، وأن ينقلوا ما فهموه من العلم وما بصروا به من الحق، ويأخذ وبأيدهم في هذا الطريق ، فإذا انقطع عنهم انقطعوا ورجعوا إلي حالتهم الأولى، كان كالذي بذر بذراً وكان معه ماء، فهو يسقي الماء ويسير، لا يقف عندها حتى تنمو وحتى يزيل عنها الآفات والعوارض، إذن لا بد من هذا الانتفاع لمن يستجيب للدعوة ويتأثر بها، وهكذا كان فعل النبي - صلّى الله عليه وسلم - فما دخل أحد في دين الله، إلا عهد به إلي أصحابه يعلمونه القران والدين، حتى إذا تمكن في دين الله حمل الرسالة السماوية، فهذا قائد ، وهذا سفير، وذاك معلم .... وهكذا.