فلا بد أن تعرف ذلك الصيد ، وما هي العدة المناسبة له، فان كان من المحبين للعلم فمدخله العلم، وإن كان من المحبين للعلاقات الاجتماعية فهو كذلك، وبعض الناس عندما لا يدركون هذه الحقيقة وهذه الغاية يتعثرون في النجاح، فتراهم ليس عندهم إلا عدة واحدة يريدون أن يصيدوا بها كل الصيد، وهذا في غالب الأحيان ينفر الصيد.
و على سبيل المثال لما رأى النبي - عليه الصلاة والسلام - نجابة ابن عباس قال: ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ، ولما رأى حرص ابن عمر على العبادة قال: ( نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل) ولما رأى في أبى بصير شكيمة الحرب قال: ( ويح أمه مسعر حرب لو كان له رجال)
و كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يوجه كل على حسب حاله، وعليه جاء الصحابة كل يتميز بشيء، فأُبيّ أقرءوهم، ومعاذ أعلمهم بالحلال والحرام، وزيد أفرضهم .. وهكذا.
و الذي يأتي بالمفتاح المضبوط يفتح القفل مباشرة لا يحتاج إلى شدة أو غيرها.
و من هذه العدة انتهاز الفرص، فقد مرّ النبي - عليه الصلاة والسلام - بجدي أسك ميت ثم قال لأصحابه: (من يشتري هذا بدرهمين؟ ) فسكتوا، فقال: ( من يشتري هذا بدرهم؟ ) فقالوا: يا رسول الله لو أنه كان حياً لما رأينا فيه حاجة، فقال- عليه الصلاة والسلام -: ( لهوان الدنيا على الله أهون من هذا عليكم) . فالنبي - صلى الله عليه وسلم- انتهز هذه الفرصة وهذه المناسبة فرمى رميته ، لأنه ليس في كل مرة تتاح الفرصة ، ويكون الصيد في موضع مناسب، وفي ظرف مهيأ، وأنت تغفل عنه فيهرب الصيد وتندم على ذلك.
و كذلك لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم- تلك المرأه وهي تبحث عن ولدها قال: ( أو ترون هذه ملقيه بولدها في النار) قالوا: هي أرحم به من ذلك، فقال - عليه الصلاة والسلام: ( والله إن الله لأرحم بكم من هذه بولدها) ، وقس على ذلك من الوقائع والحوادث الكثيرة.
و لما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم- معاذاً إلى اليمن، لقنه وقال له: ( إنك تأتي قوما من أهل الكتاب -فهنا يختلف الحال فهم، ليسوا مثل غيرهم في الجاهليين- فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله ؛ فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة …) -ثم حذره من بعد ذلك من الأساليب التي تنفر الصيد- فقال: ( وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم ؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)
إذن النبي - صلى الله عليه وسلم- أعطاه العدة التي يحتاجها باعتبار اختلاف الحال ، ثم أعطاه التدرج الذي يحتاج إليه، ثم حذره من الأمور التي يفقد بها صيده وتتعطل بها مهمته .
فكذلك الداعية إذا ذهب لدرس أو لعظة، أو لقوم عندهم بصر بأمر، فلا بد أن يتجهز لذلك من التحضير المسبق، ويراجع معلوماته، ويتهيأ بما يحتاج إليه المقام.
و كلما زادت عدته وذخيرته، كلما كان صيده أكبر، ثم لا بد له من أن يفحص المنطقة، ويحدد الموقع، وهذا المقصود به أن يعرف أحوال الناس، هل هم قوم قد غلب عليهم الانحراف في الاعتقاد ؟ أم في السلوك؟ أم هم قوم غلبت عليهم الغفلة، ونوع من الهمم الضعيفة؟.
فلا بد للداعية عندما يخرج إلى الناس أن يعرف عنهم كل ما يحتاجون إليه من أفعالهم، وأفكارهم، والعوامل التي تؤثر في هذا المجتمع، فلا يمكن أن تأتى إلي قوم أو إلي مجتمع وأنت لا تعرف طبيعة الأفكار التي يعتقدونها، و لا العلم الذي يدرسونه، ولا الأعراف الاجتماعية المتحكمة فيهم، فالمجتمع القبلي غير المجتمع الحضري. ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يدرس كل ذلك ويعرف التفاوت بين الناس في شأن القبائل، وأعيان الناس، وفي شأن العادات المترسخة فيهم.
و سياسة التدرج في التشريع كانت موافقة ومتناسبة مع أحوال الناس ، ودليل ذلك قول عائشة - رضي الله عنها- قالت:"إن أول ما نزلت آيات الإيمان والجنة والنار، فلما تاب الناس نزلت لا تشربوا الخمر ...لا تقربوا الزنا"
ثم إن الصياد الماهر يتربص ويحتاج إلي الصمت، وكذلك هذا الداعية لا بد له أن يتربص، وأن يتأنى، وأن يكن، حتى يرى الفرصة المناسبة.
و لذلك تأمل في هذا نصيحة من عائشة رضي الله عنها لقاضي أهل مكة عندما قالت له:"ثلاثة لتبايعني عليها، أو لا نجيزنك"قالت له: اجتنب السجع في الدعاء فرسول الله لم يكون يفعل ذلك ولا أصحابه، ولا تحل الناس ولا تحدثهم في الجمعة إلا مرة واحدة، فإن زدت فاثنتين، فإن زدت فثلاث"ثم قالت له:"ولا ألفينك تأتى القوم في حديث منقطع عليهم، ولكن إذا فرغوا وأقبلوا عليك فحدثهم""