فهرس الكتاب

الصفحة 3125 من 9994

والفقه أوسع دائرة من مجرد العلم الذي ينصرف الذهن فيه إلى ما يحفظ في كتاب الله، أو ما يعرف من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو ما يعرف من أحكام؛ فإن الفقه في الدين هو نوع من أنواع العلم والبصيرة ، وهذه مسالة مهمة، وعدة من العدد اللازمة لهذا الداعية.

ليس العلم فقط بكثرة المحفوظ ، وإنما بحسن الفهم، ولذلك لما دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس قال: ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) ، فالفقه في الدين بصر في المقاصد ، ومعرفة بالأولويات، وترتيب للأهميات، وإدراك لواقع الحال، ومعرفة لأثر المتغيرات، وتنبه لاختلاف الأشخاص والنفوس، كل ذلك نوع من الفقه والبصر في الدين.

والله - سبحانه وتعالى - أحاط بكل شيء علماً ، ثم منّ على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، بمنة العلم فقال - جل وعلا: { و أنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم } .

ولذلك قال قائل السلف:"ماذا أدرك من فاته العلم وماذا فاته من أدرك العلم"، وقد قال بعض المفسرين قال لقمان لابنه:"جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحي القلوب بنور الحكمة ، كما يحيي الأرض بوابل السماء".

و العلم مقدم على العمل ، بل هو مفتاح العمل، قال تعالى: { فأعلم أنه لا اله إلا الله واستغفر لذنبك }

و هذا العلم يشمل مسائل كثيرة نوجزها:

1-أن يتعلم المسلم مما يحتاج إليه ويجهله من أمور الإيمان ، وأحكام العبادات والمعاملات، بحسب حاجته ، وهذا العلم هو فرض عين.

2-الاستزادة في العلم فوق هذا القدر، فلا تحرم نفسك أنوار القرآن، ولا الوقوف على معانيه، ولا تحرم نفسك هدي النبي - صلّى الله عليه وسلم - ، والوقوف على سيرته، ولا تحرم نفسك مما نقل، ومما خلّد التاريخ في آثار المتقدمين في أنواع العلوم المختلفة.

فهذا العلم وهذه الاستزادة كلما زاد كانت العدة كبيرة البصر بالواقع والعلم به، وهذه المسالة مهمة، فقد جد في حياة الأمة كثير من الفتن، وكثير من المذاهب الروائية، وكثير من المفاسد التي لا بد من تمام الفقه والبصر، والبصيرة التي لا يكون الداعية ملماً بها، ولا يعيش ذلك العصر الذي يقرأ كتبه، بل يستنزل الكتب ليطبقها، ويتفاعل بها مع الواقع حتى يمكن أن ينتفع بها.

رابعاً: الالتزام والقدوة

لا بد أن يكون في أعظم العدة، التزامك بما تدعو إليه، وكونك قدوة للناس فيما تحثهم وتحضهم عليه ، وشاهد على هذا قوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } ، ونعلم من ذلك حادثة أمر النبي - صلى الله عله وسلم - يوم صلح الحديبية أصحابه أن يحلقوا رؤوسهم، وأن يحلوا إحرامهم، لأنه قد عقد الصلح ويعزم الرجوع، فشق ذلك على الصحابة - رضوان الله عليهم - فدخل النبي - عليه الصلاة والسلام - على أم سلمة مغضباً، فقال: ( هلك الناس ) فقالت: وما ذلك يا رسول الله، قال: (أمرتهم فلم يأتمروا ) قالت: يا رسول الله إن الناس قد دخل عليهم في ذلك الأمر شيء عظيم ، ثم أشارت عليه بأن يأمر الحلاق فيأتي ويحلق له ثم يحل إحرامه ويذبح هديه وإن هو فعل ذلك فعلوا مثله ...

فكان ذلك التقدم بالفعل والتطبيق أقوى في التأثير من مجرد القول وهذا هو شأن الإنسان الداعية، الذي ينبغي أن يكون على هذا الأمر ولذلك قال الشافعي رحمه ال له:"من وعظ أخاه بفعله كان هادياً". وكما يقال: لسان الحال ابلغ من لسان المقال.

خامساً: الربانية

فإن الداعية ما لم يكن موصولا بالله، متميزا في هذا الشأن، فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن ينجح في مهمته ما لم يمرغ جبهته بالسجود، وما لم يعود عينيه دمعة الخشوع، وما لم يستحضر قلبه في تلاوة القران، وما لم يطيل في رفع الأكف دعاءً لله - سبحانه وتعالى - وما لم يعود نفسه الإنفاق في سبيل الله ، وما لم يكن دائما رطب اللسان بذكر الله ، ما لم يكن متميزا بهذه الصفات فلا شك أنه - مهما كان في ظاهر سلوكه - يحتاج إلى تلك الصلة بالناس حتى يلقى ذلك العمل الاستمرارية التي يرجوها له .

هذه هي الجملة الموجزة فيما يتصل بعدة ذلك الداعية.

الدعوة وحالة المدعو

أما ما يتعلق بالعدة فلا بد أن تكون مناسبة للصيد فالشبك للبحر، والسهم للبر، والبندقية للطير، وليس كل عدة يرمي بها، وهكذا تأتى إلى العامي وتحدثه في أصول الفقه، وهذا نوع من التخبط ، كأن تأتى إلى البحر وتصطاد سمكة ببندقيته، وكذلك المدخل إلى النفوس ، ودليلنا في ذلك ما قاله العباس- رضي الله عنه - يوم فتح مكة: يا رسول الله أن أبا سفيان رجل يحب العز، ويدخل الرسول عليه الصلاة والسلام على صفوان بن أمية -قصه إسلامه-.

و كذلك مسلمة الفتح؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم- أعطاهم وأعطاهم تأليفاً لقلوبهم، وكذا كل إنسان له مدخل، وله مناسبة معينة، لذا نوع النبي - صلى الله عليه وسلم- لكل في مسالة الوصية. وتنوعت الإجابات المناسبة على حسب الأحوال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت