ثم نرى أيضا ذلك نهج الصحابة - رضوان الله عليهم -، نهج اتباع محمد - عليه الصلاة والسلام - فالأمثلة في ذلك كثيرة ؛ فعمر - رضي الله عنه - ما فتحت بلد من البلدان، إلا و أخرج إليها علماً من أعلام الصحابة - رضوان الله عليهم - فبعث إلى الشام معاذ بن جبل ، وعباده بن الصامت ، وأبا الدرداء، وبعث إلى الكوفة عبد الله بن مسعود.
و لم يكن هذا شأن الصحابة فحسب ؛ بل شأن من جاء بعدهم وسار على نهجهم، فهذا سفيان الثوري- أمير المؤمنين في الحديث- رحمه الله يقول:"والله لو لم يأتوا لأتيتهم في بيوتهم -يعني أصحاب الحديث-"فهو لا ينتظر الناس حتى يأتوا إليه ليأخذوا العلم منه، ولذلك شاهد تشبيه النبي - عليه الصلاة والسلام - الذي شبه الداعية بأن مثله كمثل الغيث أصاب أرضاً وتنوعت هذه الأراضي الذي جاءها ذلك الغيث، فمنها ماهي قيعان سبخة لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، ومنها ما تمسك الماء ولكن لا تنبت الكلأ، ومنها من تمسك الماء وتنبت الكلأ . وتأمل في قصه مالك بن دينار والتي ذكرها ابن الجوزي ، وهو يبين لنا عظيم الفطنة والحركة ، في مسالة اصطياده الناس، يذكر أنه جاءه رجل لص إلي بيته ليسرق، فإذا بالبيت ليس فيه ما يستدعي السرقة وبصر به مالك فقال: يا هذا فاتك حظك من الدنيا؟ قال: نعم قال: فهل لك في شيء من الآخرة ، قال فماذا قال: توضأ فصل ركعتين، ثم ما لبث أن أخذه صلاة الفجر، فقال له بعض الناس من هذا؟ قال: جاء ليسرقنا فسرقناه. فهذه الروح التي بها ينطلق الداعية، وينطلق بها الصياد الذي يصيد الخلق إلى طريق الحق.
وذلك كما قال الشاعر:
إني رأيت وقوف الماء يفسده فان ساح طاب وان لم يجر لم يطب
والأسد لولا فراق الأرض ما احترست والسهم لولا فراق القوس لم يصب
أساسيات فقه الدعوة
الذي يبقى في مكانه لا يحصل له شيء ، ولذلك كان فقه القوم من أهل البصيرة، يعتمد على أن الإنسان لا بد له أن يغشى مجامع الناس وأن يخالطهم، أما العزلة والانحسار وعدم الاحتكاك فهذا ذم ليس بعده ذم .
و كذلك المتأخرون ينبهون على ذلك، فهذا الرافعي الأديب - وهو قريب العهد - يقول عن الذي انعزل الناس:"يحسب انه قد فر من الرذائل إلى فضائله، ولكن قراره في مجاهدة الرذيلة هو في نفسه لكل فضائله"وماذا تكون العفة والأمانة، والصدق والوفاء، والبر والإحسان، إذا كانت فيمن انقطع في صحراء أو على رأس جبل، أيزعم أحد أن الصدق فضيلة لإنسان ليس حوله إلا عشرة أحجار مع من يصدق ؟ وكيف نعرف صدقه وهو لم يدخل مع الناس فيخبرهم، أو يعاشرهم فيعرفون حاله .
فقال موضحا ذلك:"وأيم الله إن الخالي من مجاهدة الرذائل جميعا لهو الخالي من الفضائل جميعا".
و لذلك لا بد من الفهم للمبدأ الأول والأساس الأول، هو أنه لا بد لك أن تخرج، ولا بد لك أن تخالط، ولا بد أن تعاشر، ويكون غرضك وهدفك لذلك هو أن لا بد لك أن تصلح، ولا بد أن توجه، ولا بد أن ترشد، ولذلك يقول ابن القيم عن بعض السلف أنه كان يقول:"يا له من دين لو أن له رجالاً"، فهذا الدين يحتاج إلى رجال ينقلوه إلى الناس ولذلك قال تعالى: { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال * رجال لا تلهيهم } ، فهم رجال رجولة كاملة ، ولذلك أثر عن بعض السلف انه جاء إليه بعض الناس فقالوا له نريدك في تحويجة فقال:"التمسوا لها رجيلاً"أي أنه لا يرضى أن يكون صاحب الأمر البسيط والهيّن.
و لذلك إن كنت تريد أن تكون على ذلك القدر الذي قال الله فيه: { قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن } ، فينبغي أن تكون رجلاً لا رجيلاً، وهذا أول المبدأ ، مبدأ خروج الصياد .
ثم من بعد ذلك لا بد له أن يستحضر عدته، وهل ترانا في هذا الحديث نحيط بعدة الداعية ، فهذا أمر يطول، ولكن أسسها يمكن أن تذكر في إيجاز من خلال أسس محدودة يندرج تحتها كثير من الفروع والتفصيلات:
أسس الداعية وعدته
أولها: الإيمان الصادق العميق
ذلك الإيمان يظهر جليا في ثلاثة أبعاد:
1-إيمان لا يتزعزع أن الأجل بيد الله.
2-إيمان بأن الرزق بيد الله.
3-إيمان وإحساس بمراقبه الله - سبحانه وتعالى -.
هذا هو الإيمان المتحرك ، الإيمان المؤثر، وليس فقط الإيمان النظري أو الجدلي ، الذي يحفظ من الكتب والمقالات، ويعرف من المعضلات والمشكلات، ثم لا تجد له رقة في القلب، ولا قوة في الحق، ولا صبراً على الإيذاء، وتلك صفات الذين قال الله فيهم: { يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشيه} .
ثانيا: التقوى
وهي أعظم عدة للداعية، لماذا ؟
لأن فيها حياة القلوب، فلا تفتر ولا تسكن، وفيها نور البصيرة فلا تتأثر بالشبهات، وهذه التقوى تحتاج إلى عهد وميثاق ، قال تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } ، وتحتاج إلى مراقبه الله - سبحانه وتعالى- ، وتحتاج إلي محاسبة كاشفة ، وتحتاج إلى مجاهدة دائمة موصولة.
ثالثاً: العلم والفقه في الدين