فهرس الكتاب

الصفحة 3123 من 9994

فإذا لا بد أن تعرف أنه لا بد لك أن تكون حريصاً غاية الحرص على هداية الخلق ، وأن تعرف أن هذه المهمة واجبة وأن هذه الرسالة عظيمة وأنه يبتغي أن يستفرغ لها الجهد، والفكر، حتى تؤتي ثمارها كما كان على ذلك الرسول - عليه الصلاة والسلام .

فهم السلف لأهمية الدعوة

ذكرنا أن الصياد لا يقبع في بيته بل يخرج ويتجه إلى الصيد .

وتأمل، هذه المقولات وهذه الأمثلة، التي تنفي عن جلوسك في بيتك وقعودك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأخرك عن إرشاد الخلق، وخروجك إليهم لتبصرهم بما هم عليه من الخطأ وما يقعون فيه من الزلل، فهذا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه - أحد المبشرين بالجنة- يقول:"إن أقل العيب على المرء أن يجلس في داره"وما أقوى هذه الكلمة،وما فيها قوة وشدة،.

ثم استمع إلى عطاء بن أبى رباح وهو يقول:"لئن أرى في بيتي شيطانا خير من أرى وسادة لأنها تدعو إلى النوم".

فانظر إلى فقه القوم كيف دفعوا الكسل، وكيف أرادوا ألا تركن أنفسهم إلى الدنيا؟ وألا يظلوا منكمشين عن الناس، يحبسون العلم في صدورهم، و الحكمة في ألسنتهم، ما كان ذلك دأبهم ، بل كان أحدهم يرى أن وسادة النوم -التي تدعو إلى الكسل وإلى التثاقل وإلى عدم الخروج للدعوة - كان يراها أشد عليه من الشيطان الذي يخطر بينه وبين نفسه.

ثم تأمل أيضا تلك المقالة من أبي حامد الغزالي - رحمه الله تعالى - وهو يقول:"اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خالياً في هذا الزمان عن منكر، من حيث التقاعد عن إرشاد الناس، وتعليمهم، وحملهم على المعروف، ما دمت قاعداً في بيتك فلا بد أن يلحقك نوع قصور، وبعض إثم، لأنك ما خرجت لتعريف الناس، ثم من بعد ذلك تعرف حالهم ، وتصحح نهجهم ، وتمضي من بعد ذلك مع فعل النبي - عليه الصلاة والسلام - منذ أن بزغ نور الإسلام في أول صلة بين الأرض والسماء من قول: { اقرأ } الأولى التي نزل بها جبريل - عليه السلام - على النبي - عليه الصلاة والسلام- ثم جاءت {أنذر عشيرتك الأقربين } وجاء من قبلها: { يا أيها المدثر * قم فأنذر } ."

و ما يقوم القاعد، وما يقوم النائم ، وما يقوم الذي لا يفارق داره ، ولا يخرج من بلده ، فذلك ما قام للإنذار، ولا تحرك للدعوة والرسول - عليه الصلاة والسلام - حينما نزل قول الله - عز وجل: { وأنذر عشيرتك الأقربين } ، خرج من بيته ورقى على الصفا، وجعل ينادي الناس: يا بني فهر، يا بني عبد مناف، يا بني عدي، وجعل ينادي قريشا بطنا بطنا، ثم يقول لهم عليه الصلاة والسلام: ( أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا ببطن هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي، قالوا: ما جربنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب اليم، فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا جمعتنا ؟!! ،

وعند احمد عن رجل من بني مالك من بني كنانة، قال: رأيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسوق ذي المجاز يتخللها، فيقول: ( يا أيها الناس، قولوا لا اله إلا الله تفلحوا) وأبو لهب في إثره يحثوا عليه التراب، ويقول: لا يغوينكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم، وتتركوا اللات والعزى.

فتأمل هذا النص وهو يقول: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسوق ذي المجاز يتخللها، يعني يأتي إلى المواسم والى الأسواق، ويخرج إلى الناس ويلقاهم في مجامعهم، ويغشاهم في مجالسهم، وهذه أول خطوة في الصيد، وأول خطوة في طريق الدعوة، و روى أيضا البخاري برواية انس -رضي الله عنه - أن الصحابة من الأنصار جاءوا للنبي - صلى الله عليه سلم - وقالوا: لو أتيت عبد الله بن أبى سلول - رأس المنافقين- لتدعوه لعله يؤمن، فما استعلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: انطلقوا بنا إليه، وانطلق - عليه الصلاة والسلام - يركب حماره، وانطلق المسلمون معه يمشون، فلما بلغ عند ذلك المنافق قال -عليه لعنه الله -:"إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك"فرد عليه بعض الصحابة رداً غليظاً يكافئ قوله.

و شاهد الحال أن النبي - صلى لله عليه وسلم - انطلق إلى أهل النفاق.

وهكذا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتحرك ولاقى القوم من قريش في أسواقهم ، ولاقى القوم اليهود في مدارسهم ، ولاقى القوم المنافقين في تجمعاتهم، وخرج في كل حدب وصوب، وخرج إلى الطائف لما وجد البيئة المكانية غير ملائمة، أراد أن يشق للدعوة طريقا في موضع آخر، ثم لقي ما لقي من الصد والإعراض، وجاءه ملك الجبال، كما في الصحيح قال:"لو شئت أطبقت عليهم الأخشبين لفعلت"، فقال: ( لا ! لعل الله يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله ورسوله ) .

فانظر عظيم الحرص على هداية الخلق، وانظر عظيم التعلق بالدعوة وعدم اليأس، وانظر إلى عظيم الصبر، وسعه الصدر، وطول النفس، عنده- صلى الله عليه وسلم -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت