فهرس الكتاب

الصفحة 3122 من 9994

هذه صورة لهذا الصياد فما صلتنا به، وهل سنتحدث عن صيد اللؤلؤ، أو عن صيد السمك، أو عن صيد الطيور، أو عن أي صيد مما يصاد ؟

ليس ذلك مقصدنا وغايتنا، وإنما هي المقدمة والتوطئة لما نريد أن ننبه عليه ، وأن نتأمل فيه ، ونربط الربط الذي ينقلنا إلى قلب الموضوع ولبّه.

وسنمضي مع بعض أقوال عبد القادر الجيلاني - وهو يبين لنا صفات المسلم الكامل الزاهد البصير - فيقول لنا في وصفه:"الزاهد الكامل في زهده لا يبالي في الخلق، لا يهرب منهم بل يطلبهم"ويقول:"المبتدئ يهرب من الفساق والعصاة، والمنتهي يطلبه ، كيف لا يطلبهم وكل دوائهم عنده"ثم يأتي إلى موقع الذي سينقلنا إلى ربط بين القضيتين، فيقول:"من كملت معرفته لله - عز وجل - صار دالاً عليه، ويصيّر الشبكة ويصطاد بها الخلق من بحر الدنيا".

هذا حديثنا عنك أيها العالم .. عنك أيها الداعية .. عنك أيها الواعظ الذي تكلم العلماء في أنك تكون كما قال بعضهم: يصطادون الخلق بشباك الحق، فأنت صياد لكنك تصيد الناس من الفسق إلى الطاعة ، ومن الكفر إلى الإيمان ، ومن الغفلة إلى التذكّر.

فهذه هي مهمتك في هذه الحياة ، ولا يمكن أو لا نرضى لك إلا أن تكون صياداً ماهراً، وكما سرنا مع ذلك الصياد في وصفه ، ورأينا كيف تحققت له صفة المهارة ، ويكفي أن يحظى في آخر الأمر بالثمرة التي يرجوها.

وكذلك نمضي معك فأنت الصياد صاحب المنهج ، وأنت تسير على ذات الخطى التي أخذ بها ذلك الصياد الذي أسلفنا ذكره.

فضل الدعوة

وغني عن القول أننا لا نحتاج إلى إفاضة عن فضل ذلك الصيد - يعني فضل الدعوة إلى الله - سبحانه وتعالى- وهذا أمر يطول الحديث فيه، وحسبنا منه تذكره، لأننا لسنا في مقام الإفاضة فيه والله - جل وعلا - يثني على هؤلاء الدعاة الذين يتهيئون لصيد الخلق إلى حياض الحق فيقول - سبحانه وتعالى -: { ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} ، فتلك مرتبة عالية يبينها النبي - صلّى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - كما في البخاري: ( لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم ) ، وكذلك بينها لنا حديث ابن مسعود عند مسلم: ( من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله) ، فيدفعك ذلك إلى أن تعرف هذا الأمر، وأن تعرف كذلك عظمة الثواب الذي يتصل فلا ينقطع، ويدوم في الحياة وبعد الممات، كما في حديث أبى هريرة - رضي الله عنه - في الصحيح عن النبي - صلّى الله عليه وسلم -: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث .... ) و ذكر منها: (علم ينتفع به) . وهذا العلم هو ذلك التوريث للدعوة والسيرة الحسنة ، والقدوة الكاملة.

الحرص على الدعوة

فالذي تكون المسالة بالنسبة له هواية عارضة، أو قضية ثانوية، أو عملا يشغل به فضول أوقاته ، فهذا قطعاً ليس هو الذي نركز عليه في حديثنا، وليس هو الذي يعبر عنه قول الله - سبحانه وتعالى-: { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين } ، أو ذلك الذي أمضى كل عمره وهو في هذا الشأن، وهذا الطريق متمثلا قول الله: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } .

ولكن الذي نعنيه هنا ، هو ذلك المسلم الذي يرى الدعوة مهمته ، ويعلم وجوب الدعوة لنصوص كثير متضافرة .

وتأمل ذلك الحرص الفريد العجيب، الذي مثله لنا رسولنا - صلى الله عليه وسلم - حينما جعل مهمته وغايته في الحياة هي هداية الناس ودعوتهم إلى طريق الله سبحانه وتعالى، حتى خاطبه القران من شدة حرصه، فقال - جل وعلا-: { وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } ، وقال: { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين } وقال: { ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون } وذكر من حالته - عليه الصلاة والسلام-: { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } أي لعلك مرهقاً نفسك ، ومتلفاً جسدك ، وأنت تبتغ القوم ، وتمضي في أثرهم ، وهم يعرضون عنك ، تريد لهم الخير وهم يبتعدون عنك .

و هذا الحرص من منطلق الفهم الصحيح لعظمة الرسالة ولخيرتها ، فالذي يعرف هذا الخير، ينبغي أن تكون نفسه بتأثرها بذلك الخير تحب الخير للآخرين ، كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) .

والنفس التي ترى النور تأسى وتحزن على الذين يعيشون في الظلام يتخبطون فيه ، ويقعون في المنزلقات مرة بعد مرة ، و لذلك قال النبي - عليه الصلاة والسلام: ( إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها فجعل ينزعهن ويغلبنه ،فيقتحمن فيها ، فأنا آخذ بحجزكم عن النار ، وهم يقتحمون فيها ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت