فهرس الكتاب

الصفحة 2345 من 9994

فالفقراء يتقدمون في دخول الجنة لخفة الحساب عليهم ، والأغنياء يؤخرون لأجل الحساب عليهم ، ثم إذا حوسب أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير كانت درجته في الجنة فوقه وإن تأخر في الدخول ، كما أن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ـ ومنهم عكاشه بن محصن ـ قد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل من أحدهم في الدرجات ، لكن أولئك استراحوا من تعب الحساب .

نخلص من هذا أنَّ العبرة ليست بالفقر ولا بالغنى ، فهذا أو ذاك لا يغني عنك من الله شيئًا إلا إذا كان سببًا في زيادة الإيمان والتقوى ، فهذا هو المقياس والمعيار المعتبر عند رب العالمين ، فالمهم هو"الرضا"عن الله ، وعدم التسخط عند المنع وعدم البطر عن العطية .

قال الحرالي: من كان رضاه من الدنيا سد جوعته ، وستر عورته ، لم يكن عليه خوف ولا حزن في الدنيا ولا في الآخرة ، سواء جعله اللّه فقيراً أو غنياً أو ذا كفاف إذا اطمأن قلبه على الرضى ببلغتها .

فعجبًا لحال المؤمن حقًا فهو إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ، وإنْ أصابته سراء شكر فكان خيرًا له ، فهو بين مطالعة الجناية ومشاهدة المنة يصبر ويشكر ، ويوقن بأنَّ الله أعلم بحاله منه ،"ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"

فإذا وجدت الله يرزق هذا ويمنع عن ذلك فتذكر قول الله تعالى:"أليس الله بأعلم بالشاكرين"، وتذكر قول الله تعالى:"وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ"واعلم أن خزائن الله لا تنفد ، وهو المعطي المانع فليتعلق قلبك به ، ودع عنك زخرف الحياة الدنيا فإنما هي أوهام ، والدنيا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءًا حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه .

إخوتاه ..

إذا كان الأمر كذلك ، فعليك بالرضا فإنه ملاك الأمر ، وعليك أن تحسن النظر إلى الأمور فتقيسها بمقياس أهل الإيمان ، ولا تعر اهتمامًا لما دون ذلك ، فالفقير يفرح بأنَّه أخف الناس حسابًا ، وأنَّ الله اختار ذلك الحال لنبيه صلى الله عليه وسلم ، ويأخذ من حياة النبي صلى الله عليه وسلم العبرة والأسوة ، فلا يقنط ولا ييأس ، ويعلم أنَّ الأمر صبر ساعة ، ولا ينظر بعين الحسد إلى من يعلوه في أمور الدنيا لأنه فهم عن الله أنَّ العلو ليس بكثرة المال ورفاهية العيش ، لا بل العلو بالتقوى وكثرة الطاعات والقرب من الله تعالى ، فهؤلاء هم أهل غبطته .

أمَّا الغني فيخشى أنْ تكون زيادة النعم استدراجًا ، قال صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيت الله تعالى يعطي العبد من الدنيا ما يحب و هو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج" [4]

ويخاف شدة العذاب إنْ لم يوفِّ شكر النعم التي بمحض فضل الله تعالى رزقها

"لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إنَّ عذابي لشديد"فهو مشغول بشكر نعمة الله عليه ، فيعطي حق المال من زكاة وصدقة ونفقة في سبيل الله تعالى ، فلا يعرف الترف بابه وإن ملك الملايين ، لأنَّه يعلم أنَّ الله سائله عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟!!

إخوتاه ..

ولعل كثيرًا منكم يقول: إنَّ هذا لا يدري عن واقع الناس اليوم شيئًا وإنَّه يحدثنا بما يصلح لعصور السلف ، فكيف بالله في ظل كل هذه المغريات والفتن المتلاحقات أن يسير الأمر هكذا .

وإني ناصحك نصيحة حريص مشفق عليك ، فإنَّي لأعلم مدى الخطر الذي يداهم المسلمون الآن ، ومدى الفتن التي يواجهونها ، وحجم المغريات التي توضع في طريقهم فتتخطف السواد الأعظم منهم ولكن ..

القضية أولاً قضية يقين بالله تعالى ، قضية إيمان واعتقاد ، فأي محك آخر نحتكم إليه فهو خداع وشراك ، وأنت حين تنظر إلى الأمور بهذه الطريقة لنتقول مثلما تقول الآن ، حين تفرغ قلبك من حب الدنيا وتخرج قليلًا خارج أسوارها فترى بعين الإيمان الأمور فستذكر ما أقول لك ، ومن هنا يبدأ العلاج:

العلاج

أولاً: التوحيد وصحة الاعتقاد ليصح اليقين والإيمان .

ثانيًا: إشغال القلب بالآخرة ، بكثرة سماع المحاضرات العلمية التي تحض على ذلك ، وقراءة الكتب ، والاتعاظ بحال من كنت تعرف وداهمهم الموت ، وعيادة المرضى والمحتضرين ، وزيارة القبور والنظر لمآلك بعد هذه الحياة .

ثالثًا: تخليص القلب من حب الدنيا ، الذي هو سبب للعجز والوهن الذي أصاب المسلمون هذه الأيام ، وهذا يحصل عندما تعاين حقارتها ، وقد ضرب الله الأمثلة الكثيرة للدنيا ومدى خستها ، وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تعدل عند الله جناح بعوضة ، وارجع إن شئت لكتاب"عدة الصابرين"في الباب الثالث والعشرين فقد كتب في آخره فصلاً تحت اسم: في ذكر أمثلة تبين حقيقة الدنيا وتحته اثنان وعشرون مثلاً فبها اعتبر .

رابعًا: عدم الاختلاط بأهل الدنيا فإنَّ خلطتهم كالداء العضال .

قال الله تعالى:"ولا تمدنَّ عينيك إلى ما متعنا به أزواجًأ منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت