فهرس الكتاب

الصفحة 2344 من 9994

فأبو الوليد الباجي كان فقيرًا لا يجد مالاً ، لا يجد مصباحًا في بيته ، فاعتذر لابن حزم لأن قراءته ومذاكرته وطلبه للعلم كان على مصابيح الحراس ، فالحراس كانوا يمشون في الليل بمشاعل لحماية البلاد من اللصوص ، فكان هو يسير وراءهم يقرأ في الكتاب ، ويذاكر على ضوء مصابيح الحراس .

سبحان الله العظيم !! وهذا بقي بن مخلد المحدث المشهور صاحب المسند ، وهو أكبر من مسند الإمام أحمد بن حنبل ، الشاهد قال لتلاميذه يومًا: أنتم تطلبون العلم !!

إنني كنت أطلب العلم فلا أجد ما أتقوت به فأجمع من على المزابل أوراق الكرنب الخضراء لآكلها ، وأتعشى بها ، حتى أتي اليوم الذي بعت فيه سراويلي من أجل أن أشتري أوراقًا أكتب بها ، وجلست بلا سراويل .

ومن ثمَّ كان السلف رضوان الله عليهم يؤثرون الفقر ، ويرونه أفضل لحال المرء ، ويبتعدون عن طرائق الترف والمترفين ، وكانوا يرون الغنى مضيعة للعلم ، وضياع العلم ضياع للدين .

قال ياقوت الحموى: فالغني أضيع لطلب العلم من الفقر .

قال بعض المحققين: كثرة المال وطيب العيش تسد مسالك العلم إلى النفوس ، فلا تتجه النفوس إلى العلم مع الترف غالبًا ، فإن الغني قد يسهل اللهو ويفتح بابه ، وإذا انفتح باب اللهو سد باب النور والمعرفة ، فلذائذ الحياة وكثرتها تطمس نور القلب ، وتعمي البصيرة ، وتذهب بنعمة الإدراك ، أما الفقير وإن شغله طلب القوت ، فقد سدت عنه أبواب اللهو ، فأشرقت النفس ، وانبثق نور الهداية والله الموفق والمستعان .

بل كان من سلفنا الصالح من يعد الماء البارد من أعظم المنن التي إن لم يستوفَ شكرها فهي لا تصلح لأمثالهم فيهجرون الشرب من الماء البارد ، فنأمل ذلك وعليها فقس ، فبأي آلاء ربكم تكذبون يا معشر المسلمين اليوم .

إخوتاه ..

ومما تقدم نخلص إلى أنَّ ترك الترفه مأمور به شرعًا ، وذلك لأنه أنفى للكبر ، وأبعد من العجب والزهو والخيلاء والصلف وهي أمور ذمها الشرع ، ومن هنا كان ذلك من صفات الحاج ، بل وصفة أهل القيامة فإنَّهم غبر شعث عراة حفاة ، ومن ثمَّ جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان وألحقها بشعبه ، فإن المصطفى صلى اللّه عليه وسلم قال:"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا اللّه وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"ولا شك أن الزهو والعجب والكبر أذى في طريق سعادة المؤمن ولا يماط هذا الأذى إلا بالبذاذة وترك الترفه فلذلك جعلها من الإيمان .

قضية الغنى والفقر من منظور سلفي

إخوتاه ..

في هذا الصدد يحسن بنا أن نفقه عن الله تعالى قضية"الفقر والغنى"ونتساءل عن المطلوب من أهل الإيمان في عصرنا ، فهل معنى ما ذكرنا أنَّ الغنى شر كله ، وأن الفقر أصلح ، وعليه فالمقصود أن يكون المؤمن فقيرًا ؟!!

بطبيعة الحال ليس الأمر كذلك بل قد يكون الغني الشاكر أفضل عند الله من الفقير الصابر ؛ وقد أعطى الله نبييه داود وسليمان الملك والغنى ، وكان عبد الرحمن بن عوف من أغنى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من المبشرين العشرة بالجنة ، ناهيك عن ابن المبارك وغيره من سلفنا الصالح .

وقد كتب ابن القيم ـ رحمه الله ـ جزءًا كبيراً في كتابه الماتع"عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين"ناقش فيه هذه المسألة باستفاضة ، وبين كثر ة النزاع فيها بين الأغنياء والفقراء ، واحتجاج كل طائفة على الأخرى بما لم يمكنها دفعه من الكتاب والسنة والآثار والاعتبار ؛ وفصل الخطاب ما حكاه عن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة ، بأنَّه ليس لأحدهما على الأخرى فضيلة إلا بالتقوى ، فأيهما أعظم إيمانا وتقوى كان أفضل ، فإن استويا في ذلك استويا في الفضيلة ….. لأن نصوص الكتاب والسنة إنما تفضل بالإيمان والتقوى وقد قال تعالى:"إن يكن غنيا أو فقيرًا فالله أولى بهما"وقد كان في الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل من أكثر الفقراء ، وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر الأغنياء ، والكاملون يقومون بالمقامين فيقومون بالشكر والصبر على التمام كحال نبينا وحال أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ، ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع ، والغنى لآخرين أنفع ، كما تكون الصحة لبعضهم أنفع والمرض لبعضهم أنفع ، كما في الحديث الذى رواه البغوى وغيره عن النبى فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى"إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك ، وإنَّ من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك ، وإنَّ من عبادي من لا يصلحه إلا الصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك ، وإنَّ من عبادي من لا يصلحه إلا السقم ولو أصححته لأفسده ذلك ، إنِّي أدبر عبادي إني بهم خبير بصير"

وقد صح عن النبي أنه قال:"إن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء"

وفى الحديث الآخر لما علم الفقراء الذكر عقب الصلاة سمع بذلك الأغنياء ، فقالوا مثل ما قالوا ، فذكر ذلك الفقراء للنبي فقال:"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت