فهرس الكتاب

الصفحة 2137 من 9994

الكفر برسول واحدٍ كفرٌ بجميع الرسل، قال الله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:105] ، وقال تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:123] ، وقال تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:141] ، وقال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:160] ، ومن المعروف أنّ كلَّ أمّة كذَّبت رسولها، إلاّ أن التكذيب برسول واحدٍ يعدّ تكذيبًا بالرسل كلهم، ذلك أنّ الرسل حملة رسالة واحدة، ودعاة دين واحدٍ، ومرسلهم واحد، فهم وِحدة يبشر المتقدم منهم بالمتأخر، ويصدِّق المتأخر المتقدم ( [9] ) .

قيل للحسن البصري: يا أبا سعيد، أرأيتَ قوله: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:105] ، و {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:123] ، و {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:141] ، وإنَّما أرسل إليهم رسولٌ واحدٌ؟! قال: إنّ الآخِر جاء بِما جاء به الأول، فإذا كذَّبوا واحدًا فقد كذَّبوا الرسل أجمعين ( [10] ) .

قال الثعالبيّ:"إن تكذيب نبي واحد يستلزم تكذيب جميع الأنبياء؛ لأنَّهم كلهم يدعون الخلق إلى الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر" ( [11] ) .

وقد وسم الله من هذا حاله بالكفر، قال تعالى: {الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذالِكَ سَبِيلاً (150) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً} [النساء:150، 151] .

ومدح سبحانه وتعالى الذين يؤمنون بجميع الرسل، قال تعالى: {ءامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:285] .

قال الفراء:"أي: لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم، كما فعلت اليهود والنصارى" ( [12] ) .

وقال ابن كثير:"المؤمنون يؤمنون بأنّ الله واحد أحد فرد صمد، لا إله غيره، ولا ربّ سواه، ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنَزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير. وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله؛ حتى نسخ الجميع بشرع محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين" ( [13] ) .

( [1] ) أخرج الحاكم بعضًا من أخباره في المستدرك (2/655) ، وردّ نبوته لمعارضته لحديث البخاري الصحيح.

( [2] ) انظر: فتح الباري (6/489) .

( [3] ) البخاري في الأنبياء، باب قول الله تعالى ?وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا? (3442) .

( [4] ) تفسير ابن كثير (2/36) .

( [5] ) البخاري في الإجارة، باب رعي الغنم على قراريط (2262) .

( [6] ) فتح الباري (4/441) .

( [7] ) البخاري في التفسير، باب قول الله تعالى: ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا? (4487) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

( [8] ) شرح العقيدة الواسطية (ص: 64) .

( [9] ) انظر: الرسل والرسالات، د/ عمر الأشقر (ص: 24-25) .

( [10] ) انظر: تفسير البغوي (3/392) .

( [11] ) تفسير الثعالبي (3/151) .

( [12] ) انظر: تفسير القرطبي (2/141) .

( [13] ) تفسير ابن كثير (1/343) .

ثالثا: الإيمان بالأنبياء والرسل:

الإيمان بالرسل والأنبياء أصلٌ من أصول الدين، ولا يتمّ إيمانُ أحدٍ إلاّ بالإيمان بجميعهم على سبيل الإجمال، وبمن عرفنا اسمه منهم على وجه التفصيل.

قال محمّد خليل هرّاس:"وعلينا أن نؤمن تفصيلاً بمن سمَّى الله في كتابه منهم، وهم خمسة وعشرون، ذكرهم الشاعر في قوله:"

فِي {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا} منهم ثمانية من بعد عشرٍ ويبقى سبعة وهمُ

إدريسُ هودُ شعيبٌ صالحٌ وكذا ذو الكفلِ آدمُ بالمختارِ قد خُتِمُوا

وأمّا ما عدا هؤلاء من الرسل والأنبياء فنؤمن بِهم إجمالاً على معنى الاعتقاد بنبوتِهم ورسالتهم، دون أن نكلِّف أنفسنا البحثَ عن عدَّتِهم وأسمائهم، فإنّ ذلك ممّا اختصّ الله بعلمه؛ قال تعالى: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء:164] " ( [1] ) ."

1-الأنبياء والرسل المذكورون في القرآن:

تقدَّم أنّ الله ذكر في كتابه خمسةً وعشرين نبيًّا بأسمائهم، وهم: آدم ونوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وإدريس وذو الكفل وداود وسليمان وأيوب ويوسف ويونس وموسى وهارون وإلياس واليسع وزكريا ويحيى وعيسى ومحمّد عليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت