وأنبياء بني إسرائيل كلهم كانوا مبعوثين بشريعة موسى التوارة، وكانوا مأمورين بإبلاغ قومهم وحيَ الله إليهم، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِى إِسْرءيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [البقرة:246] ، فالآية تفيد أنّ النبيّ يوحى إليه ويوجب على قومه أمورًا، وهذا لا يكون إلاّ مع وجوب التبليغ.
ولكنّ هذا التفريق كذلك مدفوعٌ بقوله تعالى: {وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكّ مّمَّا جَاءكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ} [غافر:34] ، فيوسف عليه السلام نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل، لم يأتِ بشرعٍ جديد، ومع ذلك فهو رسولٌ بنصِّ هذه الآية.
وعليه فإنّ التفريق المختار أن الرسول: هو من بُعِث إلى قومٍ مخالفين فدعاهم إلى دين الله، سواءٌ دعاهم بشرعٍ جديدٍ أو بشرع مَن قبله، والنبيّ: هو من بُعِث إلى قومٍ موافقين فأقام فيهم دين الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"النبيّ: هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أُرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلّغه رسالة من الله إليه فهو رسول. وأمَّا إذا كان إنّما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالته؛ فهو نبيّ وليس برسول، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِى أُمْنِيَّتِهِ} [الحج:52] ... فذكر إرسالاً يعمُّ النوعين، وقد خصَّ أحدَهما بأنّه رسول، فإنّ هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبليغ رسالته إلى من خالف الله كنوح، وقد ثبت في الصحيح أنّه أول رسول بُعِثَ إلى أهل الأرض، وقد كان قبله أنبياء كشيث وإدريس، وقبلهما آدم كان نبيًا مكلَّمًا" ( [23] ) .
فيوسف أُرسِل إلى أقوامٍ مخالفين مشركين، فبلَّغهم دينَ الله بشريعةِ مَن قبله.
4-الآية والمعجزة:
الآية: هي العلامة، قال نبي الله زكريا عليه السلام: {قَالَ رَبّ اجْعَل لِّى ءايَةً قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا} [آل عمران:41] ، قال القرطبيُّ:"طلب آية أي: علامةً يُعرف بِها صحةُ هذا الأمر" ( [24] ) .
المعجزة: اسم فاعل مأخوذ من العجز الذي هو زوال القدرة عن الإتيان بالشيء من عمل أو رأي أو تدبير ( [25] ) .
5-الكرامة:
قال سليمان بن عبد الله آل الشيخ:"الكرامة: أمرٌ يجريه الله على يد عبده المؤمن التقي، إمّا بدعاء أو أعمال صالحة، لا صنع للولي فيها، ولا قدرة له عليها" ( [26] ) .
وقال عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ:"وكل من يذكر تعريف الكرامة وحدَّها يقول: هي خرق الله العادةَ لوليه، لحكمة أو مصلحة تعود عليه أو على غيره" ( [27] ) .
وفي فتاوى اللجنة الدائمة:"الكرامة: أمرٌ خارق للعادة يظهره الله تعالى على يد عبد من عباده الصالحين حيًّا أو ميتًا؛ إكرامًا له، فيدفع عنه ضرًا، أو يحقق له نفعًا، أو ينصر به حقًّا" ( [28] ) .
( [1] ) تفسير الطبري (30/1) .
( [2] ) تفسير البغوي (4/364) .
( [3] ) تفسير ابن كثير (2/554) .
( [4] ) انظر: مفردات الراغب مادة (نبى) .
( [5] ) إبراز المعانِي من حرز الأمانِي (2/295) .
( [6] ) أخرجه الحاكم في مستدركه (2/231) من حديث أبِي ذرّ، وقال:"حديث صحيحٌ على شرط الشيخين"، قال الذهبيُ:"بل منكر، لم يصحّ، قال النسائي: حمران بن أعيَن ليس بثقة. وقال أبو داود: رافضي، روى عن موسى بن عبيدة، وهو واهٍ. ولم يثبت أيضًا عنه عن نافع عن ابن عمر قال: ما همز رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا الخلفاء، وإنّما الهمز بدعة ابتدعوها من بعدهم"التلخيص (2/231) . وأخرجه العقيليّ في الضعفاء (3/81) ، والصيداوي في معجم الشيوخ (ص266) من حديث ابن عبّاس به، وفي سنده مجهولٌ.
( [7] ) تفسير أبو السعود (5/271) .
( [8] ) المفردات مادة (رسل) .
( [9] ) التعريفات (ص: 115) .
( [10] ) لسان العرب مادة (رسل) .
( [11] ) أخرجه عنه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، انظر: الدرّ المنثور (6/357) .
( [12] ) تفسير البيضاوي (3/209) .