فهرس الكتاب

الصفحة 2134 من 9994

دلَّت الآية الكريمة: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِى أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ ءايَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الحج:52] على الفرق بين الرسول والنبي؛ لأنّ الله عزّ وجلّ عطف بينهما بالواو وذلك تقتضي المغايرة.

وأمّا ما روي عن أبِي ذرّ قال: قلت: يا رسول الله، كم وفَى عدة الأنبياء؟ قال: (( مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا ) ) ( [13] ) ؛ ففي ثبوته نزاعٌ بين أهل العلم.

وأخذ بدلالة الآية في التفريق بين الرسول والنبيِّ جمهور أهل العلم من المفسرين وغيرهم.

قال البيضاويُّ:"الرسول من بعثه الله بشريعة مجدّدة يدعو الناس إليها، والنبيّ يعمُّه ومَن بعثه لتقرير شرعٍ سابقٍ، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهم السلام. ولذلك شبَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم علماءَ أمته بِهم، فالنبيُّ أعمُّ من الرسول... وقيل: الرسول من جمع إلى المعجزة كتابا منَزَّلا عليه، والنبيّ غير الرسول مَن لا كتاب له. وقيل: الرسول من يأتيه الملك بالوحي، والنبيّ يقال له ولِمَن يوحى إليه في المنام" ( [14] ) .

وقال القرطبيُّ:"الرسول والنبيّ اسمان لمعنيين؛ فإنّ الرسول أخصّ من النبيّ، وقدَّم الرسول اهتمامًا بمعنى الرسالة، وإلاَّ فمعنى النبوة هو المتقدّم، ولذلك ردَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على البراء حين قال: (وبرسولك الذي أرسلت) فقال له: (( قل: آمنت بنبيِّك الذي أرسلت ) )خرَّجه في الصحيح ( [15] ) . وأيضًا فإنّ في قوله: (برسولك الذي أرسلت) تكرير الرسالة، وهو معنى واحد، فيكون كالحشو الذي لا فائدة فيه، بخلاف قوله: (( ونبيِّك الذي أرسلت ) )فإنّهما لا تكرار فيهما، وعلى هذا فكلّ رسولٍ نبيٌّ، وليس كلُّ نبيٍّ رسولاً؛ لأنّ الرسول والنبيَّ قد اشتركا في أمر عام هو النبأ، وافترقا في أمرٍ خاصٍ وهي الرسالة، فإذا قلت: محمدٌ رسولٌ من عند الله؛ تضمن ذلك أنّه نبيٌّ ورسول الله، وكذلك غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم" ( [16] ) .

وقال النسفيُّ:"والفرق بينهما أنّ الرسول من جمع إلى المعجزة الكتاب المنَزَّل عليه، والنبىّ من لم ينْزل عليه كتابٌ، وإنّما أُمِر أن يدعو إلى شريعة مَن قبله. وقيل: الرسول واضع شرع، والنبيُّ حافظُ شرع غيره" ( [17] ) .

وقال الشوكانِي:"قيل: الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانًا ومحاورته شفاهًا، والنبيّ الذي يكون إلهامًا أو منامًا. وقيل: الرسول من بعث بشرع وأُمِر بتبليغه، والنبيّ من أُمِر أن يدعو إلى شريعة مَن قبله ولم ينْزل عليه كتاب، ولا بدَّ لهما جميعًا من المعجزة الظاهرة" ( [18] ) .

فهذا هو المشهور؛ أنّ الرسول أخصّ من النبيّ، فالرسول هو من أوحي إليه بشرعٍ وأُمِر بتبليغه، والنبيُّ من أُوحي إليه ولم يؤمر بتبليغه، وعلى ذلك فكلّ رسول نبيِّ، وليس كل نبيِّ رسولاً ( [19] ) .

ولكن هذا التفريق مدفوعٌ بعدّة أمور:

1-أنّ الله نصّ على أنّه أرسل الأنبياء كما أرسل الرسل في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ} [الحج:52] ، فإذا كان الفارق بينهما هو الإبلاغ فالإرسال يقتضي من النبيِّ البلاغ.

2-أن ترك البلاغ كتمان لوحي الله تعالى، والله لا يُنْزِل وحيَه ليكتَم ويدفَن في صدر واحد من الناس، ثم يموت هذا العلم بموته.

3-قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (( عُرضت عليَّ الأمم فرأيتُ النبيَّ ومعه الرهط، والنبيَّ ومعه الرجل والرجلان، والنبيَّ وليس معه أحد... ) ) ( [20] ) ؛ فدلّ هذا على أنّ الأنبياء مأمورون بالبلاغ، وأنّهم يتفاوتون في مدى الاستجابة لهم.

واختار البعض أنّ الرسول من أوحي إليه بشرعٍ جديدٍ، والنبيُّ هو المبعوث لتقرير شرع مَن قبله ( [21] ) .

وقد كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما مات نبيٌّ قام نبيٌّ، كما ثبت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إنّ بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلَّما مات نبيٌّ قام نبيٌّ، وإنَّه ليس بعدي نبيٌّ ) ) ( [22] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت