فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 9994

إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } 1 . { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } 2. { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } 3. اعلموا أن أحسن الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

أما بعد:

اعلموا - وفقني الله وإياكم لما يحبه ويرضاه- أن ديننا الإسلامي الحنيف دين شامل لكل مناحي الحياة، فهو دين المبادئ والقيم، ودين الأخلاق والمعاملة، فلم يدع مجالًا من مجالات الحياة إلا بين فيها الحسن ليمتثل، والقبيح ليجتنب. ومما يدل على شمولية الدين لكل مناحي الحياة، ما أوضحه الكتاب والسنة وآثار الأئمة من آداب الطريق، وحقوق المارة، ومجالس الناس العامة والخاصة ، يقول الله - تعالى - في الكتاب العزيز: { وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا } 4.

إن مصادر الشريعة الموثوقة مليئة بأمثال هذه النصوص المؤكدة لهذه الحقوق، والمرشدة إلى هذه الآداب.

فعباد الرحمن من سماتهم أنهم يمشون في الطريق هونًا، لا تصنع ولا تكلف، ولا تكبر ولا خيلاء، وإنما وقار وسكينة، من غير مذلة وجد وقوة ، من غير تكبر ولا خيلاء وبطر ، تأسيًا بالقدوة العظمى محمد صلى الله عليه وسلم ، وتلك هي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، يمضي إلى قصده هينا مستقيما لا يصعر خده استكبارًا، ولا يمشي في الأرض مرحًا، قال تعالى: { وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا } 5 . وقال تعالى: { وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } 6 .

ومن سماتهم إنهم إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، فهم أصحاب الأخلاق العالية، والآداب الرفيعة، في مشيهم وهديهم ودلهم ، وفي حديثهم أولى وأحرى ، مع صدقهم ، وقوة حجهم وحلمهم وصفحهم ، وإعراضهم عن البذيء من القول، والفحش من الحديث ، وتجنبًا لحماقة الحمقى، وسفاهة السفهاء.

لا يرفعون أصوتهم من غير حاجة، فـ ( إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ) ( لقمان:19) ، و لأن رفع الصوت خلق سيء وأدب سمج ، يسلكه ضعيف الحجة ، واهي البرهان يريد إخفاء رعونته وجهله برفعة صوته، وإغلاظه في كلامه مع الاخرين ...

ولا يتكلمون فيما لا يعود عليهم بفائدة ؛ وإنما { إِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } 7.

أيها الناس: جاء في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم والجلوس في الطرقات"قالوا: يا رسول الله، مالنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال رسول الله:"فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه"قالوا: وما حقه؟ قال:"غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"8.

وعد النبي صلىالله عليه وسلم من أبواب الخير:"تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك الرجل الردئ البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة"9.

ودعا الإسلام إلى حفظ الحقوق العامة والخاصة، ومن الحقوق والآداب العامة حقوق وآداب الطريق، والتي ذكرنا بعضها في حديث أبي سعيد الخدري السابق، وقد جمع محدث زمانه، وحافظ عصره، الإمام أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ، بعض هذه الحقوق والآداب بقوله:

جمعت آداب من رام الجلوس على الطر يق من قول خير الخلق إنسانًا

أفش السلام وأحسن في الكلام وشمت عاطسًا وسلامًا رد إحسانًا

في الحمل عاون ومظلومًا أعن وأغث لهفان أهد سبيلًا وأهد حيرانًا

بالعرف مر وأنه عن نكر وكف أذى وغض طرفًا وأكثر ذكر مولانا

أمة الإسلام: لقد حذرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الجلوس على الطرقات، وذلك لأن في الجلوس على الطرقات تعرض للفتن من النظر إلى النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات الأتي لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا.

وهو كذلك تحذير للنساء من كثرة الخروج إلى الأسواق والأماكن العامة لغير حاجة؛ لما فيه من مفسدة تعرضهن للأذية من أعين الذئاب البشرية، ومزاحمتهن للرجال على الطرقات، وخاصة في أيامنا هذه التي كثر فيها خروج النساء إلى الأسواق، وإلى الوظيفة والعمل، أضف إلى ذلك قلة الحياء عند بعضهن فضلًا عن قلة الدين.

فتجد الطرقات والأرصفة مليئة بالشباب التائه الضائع يتصيدون النساء، وحتى طالبات المدارس بعد خروجهن من المدرسة، فتجد الأرصفة ملأ بهؤلاء الشباب الذين لم يعطوا أي حق للطريق ، ولم يراعوا حرمة أعراض المسلمين ، فأطلقوا العنان للبصر بدلا عن أن يغضوه، وبذلوا الأذى بدلا من أن يكفوه ، وأمروا بالمنكر وكان المفترض أن يأمروا ينهوه، فهؤلاء يحرم عليهم الجلوس على الطرقات، ويأثموا ببقائهم فيها؛ لأنهم لم يعطوا الطريق حقه ، وبعض هؤلاء يجلسون عند أبواب المحلات في الأسواق يتصيدون الداخل الخارج ، ويشوشون على أصحاب المحلات رزقهم مصدر عيشهم...

فهؤلاء الذين يتخوضون في أعراض المسلمين ، وهؤلاء الذين ينتهكون حرمات المؤمنين ، أما يتقون الله ، أما يخافون عقابه ، هل يرضون أن يفعل ذلك أحد مع أخواتهم أو زوجاتهم أو إحدى قريباتهم ؟ أو لا يعلموا أن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، ولا يظلم ربك أحدًا؟؛ وعن ابن عمر قال: صعد رسول الله صلى اله عليه وسلم على المنبر فنادى بصوت رفيع فقال:"يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لاتؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله"10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت