يروى أن شابا أراد السفر لغرض التجارة، فأوصاه أبوه بالمحافظة على بتقوى الله في السر والعلن، وحذره من اقتراف المعاصي والآثام؛ فسار هذا الشاب في سفره، وفي يوم من الأيام والشاب مسافر، كان عند الأب شاب سقا يجيء إليه بالماء ، وكانت عادته أن يطرق الباب، فتفتح له بنت ذلك الرجل ، وفي يوم من الأيام فوجئ الرجل بذلك السقا يقبّل ابنته ويهرب، فما كان منه إلا أن تحين رجوع ابنه من سفره ليسأله عن سفره وعن أخباره وماذا فعل في غيابه ، فأجابه الابن بكل شيء ،من أمور التجارة الربح وتحقق له منه ، إلا أن الأب سأله مرة أخرى عن ماذا فعل في سفره من المعاصي؟ فأنكر الابن، ولكن بعد إلحاح الأب عليه جعل يعترف، وكان مما اعترف به أنه رأى امرأة شابة فظفر منها بقبلة، فقال له أبوه دقة بدقة، ولو زدت لزاد السقا، قال الشاعر:
يا هاتكا حرم الرجال وتابعا طرق الفساد فأنت غير مكرم
من يزن في قوم بألفي درهم في أهل يزني بربع الدرهم
إن الزنا دين إذا استقرضته كان الوفاء من أهل بيتك فاعلم
فكما تدين تدان، والجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحدًا، قال الله تعالى: { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } 11.
أقول ماسمعتم واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيما لشانه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه
أيها المسلمون: إن هذه المجالس التي يجتمع فيها الناس ويتحدث فيها بعضهم إلى بعض في غالبها لا يذكرون الله - تعالى-، بل يغلب فيها الكذب والغيبة والنميمة، وقول الزور والفحش، والسباب واللعان، وغيرها من المنكرات، وما اجتمع قوم في مكان لا يذكرون الله فيه إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة، والبعض يجلسون للعب بالبلوت، والشطرنج، والنرد، والكيرم، وغير ذلك من الألعاب التي تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، قال الله - تعالى-: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ } 12.
أيها الأخوة: إن في الجلوس على الطرقات أذية للمارة، وتضييق للطريق على المسافرين، وفي منعه صلى الله عليه وسلم للجلوس على الطرقات منعًا لكثير من المفاسد؛ كالعادات القبيحة التي يتعلمها الجالسون على الطرقات؛ ومنها التدخين، ومضغ القات، والمظاهر الشاذة في اللباس أو الشعر، وغيرها من الأخلاق السيئة، وإلف المعصية؛ وذلك لكثرة ما يرى من المعاصي والمنكرات فيصبح لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، أو يزيد البلاء بلاء فيسمي المعروف منكرا والمنكر معروفا! أو يرتقي به الحال فيصير يفتخر بالمعصية ويتباهى بها، ويحدث بها من لم يعلم الناس أنه عملها!
ومن المفاسد تعود البطالة وقتل العمر، والاستهانة بالوقت؛ فأرخص شيء عند هؤلاء هو الوقت، فساعات تهدر، وأيام تضيع، وأعمار تذبح على مذبح اللهو واللعب... وما أكثر ما نسمع على لسان هؤلاء عبارات: نريد أن نقتل الوقت، نحن فارغون ماذا نفعل؟ نحن في إجازة! ونسوا أو تناسوا أن الله أمر الفارغ من العبادة بخلاف ذلك، فقال تعالى: { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ } 13 فكيف بمن هو في لهو دائم والله المستعان.
ومن المفاسد أيضا التهيؤ للجريمة وأسبابها وممارستها والاحتيال على الناس، مما يتعلمه الكثيرون من مثل هذه المجالس ، فيبدأ الأمر باحتيال على صاحب البقالة أو صاحب سيارة الأجرة، وينتهي إلى السرقة المنظمة! أويبدأ الأمر بسماع الأغاني الخليعة الفاجرة الماجنة، ثم مشاهدة الأفلام العارية، وينتهي إلى فعل الفاحشة- والعياذ بالله-. أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يجمع لنا خير الآخرة والأولى، وأن يتوفانا وهو راض عنا، وأن لا يسلط علينا من لا يخافه فينا ولا يرحمنا، وأن يجعل الجنة هي دارنا، وأن لا يجعل إلى النار مصيرنا.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين...
والحمد لله رب العالمين.
1 -سورة النساء (1) .
2 -سورة آل عمران (102)
3 -سورة الأحزاب (70) (71) .
4 -سورة الفرقان (63) .
5 -سورة الإسراء (37) .
6 -سورة لقمان (18) .
7 -سورة القصص (55) .
8 -رواه البخاري ومسلم.
9 -رواه الترمذي والبخاري في الأدب المفرد وابن حبان، وصححه الألباني في الصحيحة برقم (572) .
10 -أخرجه الترمذي وحسنه الألباني في غاية المرام رقم (420) .
11 -سورة النحل (118) .
12 -سورة المائدة (90-91) .
13 -الشرح (7) .