الهوى وهو: المرض العضال الذي تنتهك بسببه كثير من الحماقات، وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من المهلكات فقال:"ثلاث مهلكات هوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه"أخرجه الطبراني، وقال الألباني: (حسن) انظر حديث رقم: 3045 في صحيح الجامع، وما ذاك إلا ضعف في الإخلاص وفساد في الإرادة ولا يسلك هذا السبيل إلا من كان قلبه كالقبر أو البيت الخرب، ولا تجد صاحب هوى يخطو خطوة في طريق القربة إلى الله عز وجل لإصلاح نيته، وتقويم قلبه وتذكر لقبره الذي سيدخله عما قريب، ولو فعل ما ظاهره القربة إنما هو لزيادة الحصيلة العلمية لمماراة السفهاء ومجادلة العلماء، وللتفوق على الأقران، فبئس النية نية تحول دقة الطريق على الله فيلبس الأمر على صاحبها في طريقه إلى الله حتى يصير المشرق عنده مغربًا والمغرب مشرقًا، قال تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} (محمد: 14.(
العجب والاغترار وهو: أن يُعجب المرء بنفسه، ويغتر بعلمه فيقدم على الفتوى، وإكثار الكلام وإن لم يعلم، ومما يؤسف له أن داء العجب أشد فتكًا بدين الإنسان من الهوى، وقد صرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاث منجيات وثلاث مهلكات فأما المنجيات فتقوى الله في السر والعلانية والقول بالحق في الرضى والسخط والقصد في الغنى والفقر. وأما المهلكات فهوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه وهي أشدهن". رواه البيهقي في شعب الإيمان. باب الظلم وهو حسن. وذلك أن خطر داء العجب عظيم فإن العجب يدعو إلى الكبر لأنه أحد أسبابه فيتولد من العجب الكبر ومن الكبر آفات كثيرة لا تخفى على عباد الله، وأما مع الله فالعجب يدعو إلى إهمال الذنوب ونسيانها فلا يحدث لها توبة ويستعظم أعماله وطاعته، ويمن على الله بفعلها. والمعجب يغتر بنفسه وبراية و يأمن مكر الله وعذابه ويظن أنه عند الله بمكان ولا يسمع نصح ناصح ولا وعظ واعظ ويمنعه عجبه من سؤال أهل العلم فهذا وأمثاله من آفات العجب فلذلك كان من المهالك ومن أعظم آفاته أن يفتر في السعي لظنه أنه قد فاز وأنه قد استغنى وهو الهلاك الصريح...نسأل الله العظيم حسن التوفيق لطاعته... البحر الرائق لأحمد فريد.
الاستحياء والخوف من التجهيل: فهو يظن أنه لو قال لا أدري، أو لا أعلم أن هذه سبة في حقه وفي شخصه، وأن السائل سيرميه بالجهل وعدم العلم، ويخاف أن يسقط من أعين الحاضرين.
الجهل ذاته: فلا يجسر على الفتوى ويتجرأ على أعلم إلا الجاهل الذي لم يشم للعلم أدنى رائحة، وذلك أنه إما أن يذكر الدليل على كلامه في المسألة الشرعية من الكتاب أو السنة أو قول السلف من علماء الأمة ويحيل السامع إلى مظانها... فهذا معه أثارة علم، وإما أن يتشدق ويثرثر ولا يحيل على المظان، ولا يستدل ببرهان فيكون هذا عين الجهل والبهتان، وذلك أن المسألة لا تحتمل إلا أمرًا من أمرين: إما العلم، وإما الجهل
علاج أسباب الجرأة على الفُتيا:
أولًا: علاج الهوى: وذلك بأن يعلم أن الهوى مضاد تمامًا للقرآن والسنة، وأن الله قد قسم الناس قسمين: أتباع الوحي، وأتباع الهوى، فقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } (القصص: من الآية50) فليس ثم قسم ثالث، وليعرض نفسه هذا العرض الدقيق الذي يحدد قيمة العبد عند ربه، ثم يعلم أن الهوى ما سمى هوى إلا لأنه يهوي بصاحبه في المخاطر، وأن اتباع الهوى دليل على ضياع المروءة، وضعف الدين، وفساد العقل ؛ لأن هذه الثلاث تنهى عن اللذة التي يعقبها ألم، وعن الشهوة التي تورث الندم، والهوى ضدها يدعو على ذلك ألا ترى أن الطفل يؤثر ما يهوى و إن أدًَاه إلى التلف لضعف ناهي العقل عنده، وأن ما لا دين له يؤثر هواه وإن أدًَاه إلى هلاكه في الآخرة لضعف الوازع الإيماني، وأن من لا مروءة له يؤثر ما يهواه وإن ثلم مروءته، أو أعدمها لضعف ناهي المروءة عنده. قال الشافعي: (( لو علمت أن الماء البارد يثلم مروءتي لما شربته ) )، وحتى يتخلص مما قد وقع يستعين بحول الله وقوته بمثل هذه الأمور وهي:
1.جرعة صبر يصبر نفسه على مرارتها تلك الساعة.
2.قوة نفس تشجعه على شرب تلك الجرعة والشجاعة كلها صبر ساعة، وخير العيش أدركه العبد بصبره.
3.أن يفكر في حسن عاقبة الصبر ففيه الشفاء الذي لا مرض بعده.
4.أن يفكر في ألم اتباع الهوى حيث الضيق والهم والغم.
5.إبقاؤه على منزلته عند الله تعالى، وفي قلوب عباده وهو خير وأنفع له من لذة موافقة الهوى.
6.أن يتفكر في قهر إبليس ورده خاسئًا مغتاظًا ؛ وذلك بمخالفة الهوى.
7.أن باتباعه لهواه يصير الحيوان البهيم أحسن حالًا منه ؛ فالحيوان يميز بطبعه بين مواقع ضرره ومنافعه، فيؤثر النافع على الضار، والإنسان أُعطي العقل، فإذا لم يميز الضار من النافع كان الحيوان البهيم أحسن حلًا منه.
8.أن يتصور العاقل انقضاء غرضه من اتباع الهوى وهذا لا يتعدى دقائق معدودة وليحدث نفسه بم يشعر بعد هذه الدقائق، وما هي منزلته عند الله بعد اتباع الهوى، وبيان ذلك: أن الفُتيا بغير علم أو الجرأة على الفتيا إنما هي دقائق يتحدث فيها عن حكم الشرع في المسألة الفلانية فيخشى تفويت المنزلة في قلوب الخلق بقوله: (( الله اعلم ) )فإذا به يقتحم أبواب جهنم، ثم ينسى الناس هذه المسألة ولم يعد لها في خاطرهم ذكر، ويبقى ألم الجرأة على الله في قلبه همًا وغمًا وضيقًا، وكأن لسان الحال: ياليتني صبرت هذه الدقائق فماذا نلت فيها إلا ثلم المروءة، وضعف الدين وفساد العقل. فليكن الإنسان منا حذرًا فطنًا لبيبًا.
ثانيًا: علاج العجب: وذلك أن يتذكر أن ما عنده من العلم إنما هو محض فضل ومنه ونعمة من الله، قال تعالى: { وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} (النحل: من الآية53) ، وأعظم النعم هي نعمة الهداية والتوفيق للعلم والعمل، فمنشأ العجب هو الجهل وكفران نعمة الله على عبده، قال تعالى: {وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (النور: من الآية21) ، ويعلم العبد أنه مهما بلغ في العلم والعمل فإنه لا يدخله الجنة إلا أن تدركه الرحمة الربانية،كما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ"، ومما يستعان به في رفع العجب بالعلم الذي يجرئه على الفتيا أن يتذكر علم أسلاف الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، فأين هو من الإمام الشافعي، أو مالك، أو أبي حنيفة، أو أحمد بن حنبل ؟. أم أين علم من علم شيخ الإسلام ابن تيمية ؟. كلما قرأ العاقل اللبيب لابن حجر، أو النووي، أو شيخ الإسلام ابن تيمية فلولا رحمة ربي لأصيب باليأس والإحباط في طريق العلم لما حباهم الله من الغزارة في شتى علوم الشرع، ولو كان ثم علم يفتخر به أو يعجب به الإنسان علم غيره لكان هذا العلم، ولكن هو محض منة من الله عليهم فليحذر المسلم تلبيس إبليس، وأن يكون هدفه ومنتهى غايته إرادة وجه الله، لا عجبًا بعلم، ولا حظًا لنفس، لا نيلًا لمنزلة في قلوب الخلق. اللهم حسن النيات، ويسر الخيرات واستر العلات.