أخرج البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ. ..فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟. فَسَكَتَ. فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ فَقُمْتُ. فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ قَالَ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } وفي الصحيحين ورد حديث جبريل الطويل وفيه: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ. ..ففَالَ: مَتَى السَّاعَةُ ؟. قَالَ:"مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ..."قال النووي تعليقًا في الشرح على هذا الحديث:"ينبغي للعالم والمفتي وغيرهما إذا سُئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم، وأن ذلك لا ينقصه بل يُستدل به على ورعه وتقواه ووفور علمه."
وفي البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: اللَّهُ إِذْ خَلَقَهُمْ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ.
فها هو ذا رسول الله صلى الله عليه وسلم رد ما لهم إلى الله، ولم يبين فيهم شيئًا، لأنه لم يُعلمه الله فيهم شيئًا، وما ينطق عن الهوى. وقال الصديق للجدة أرجعي حتى أسأل الناس.. عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ رضي الله عنه، قَالَ: جَاءَتْ الْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ وَأُمُّ الْأَبِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ إِنَّ ابْنَ ابْنِي أَوْ ابْنَ بِنْتِي مَاتَ، وَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّ لِي فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقًّا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَجِدُ لَكِ فِي الْكِتَابِ مِنْ حَقٍّ، وَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى لَكِ بِشَيْءٍ، وَسَأَسْأَلُ النَّاسَ. قَالَ: فَسَأَلَ النَّاسَ فَشَهِدَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَاهَا السُّدُسَ، قَالَ: وَمَنْ سَمِعَ ذَلِكَ مَعَكَ ؟. قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: فَأَعْطَاهَا السُّدُسَ... أخرجه الترمذي. انظر لم يمنعه حياؤه رضي الله عنه وهو الخليفة من أن يسأل الناس، وهذا عمر بن الخطاب تعضل عليه المسألة فيجمع لها أهل بدر ليستشيرهم ويسألهم، فما يزيده ذلك إلا مهابة وإجلالًا في قلوبهم.
وكان علي رضي الله عنه يقول: وا أبردها على الكبد ثلاث مرات. قالوا: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟قال: أن يُسئل الرجل عما لا يعلم، فيقول: الله أعلم. ولنا مع هذا الأثر وقفة عما قريب وأخرج مسلم في صحيحه قال: حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ ( واسمه يحيى بن المتوكل رضي الله عنه - تابعي -) قَالَ:كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَقَالَ يَحْيَى لِلْقَاسِمِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكَ عَظِيمٌ أَنْ تُسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ هَذَا الدِّينِ فَلَا يُوجَدَ عِنْدَكَ مِنْهُ عِلْمٌ، وَلَا فَرَجٌ، أَوْ عِلْمٌ وَلَا مَخْرَجٌ، فَقَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: وَعَمَّ ذَاكَ ؟. قَالَ: لِأَنَّكَ ابْنُ إِمَامَيْ هُدًى ابْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، قَالَ لَهُ الْقَاسِمُ: أَقْبَحُ مِنْ ذَاكَ عِنْدَ مَنْ عَقَلَ عَنْ اللَّهِ أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أَوْ آخُذَ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، قَالَ: فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَهُ.
ما ورد من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه و التابعين بعدهم:
فروي البستي في المسند الصحيح له عن ابن عمر أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي البقاع شر ؟. قال: لا أدري. حتى أسأل جبريل،فسأل جبريل فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل، فجاء، فقال:خير البقاع المساجد، وشرها الأسواق. وسأل ابن عمر رجل عن مسألة، فقال: لا علم لي بها، فلما أدبر الرجل قال ابن عمر: نعم ما قال ابن عمر سئل عما لا يعلم فقال لا علم لي به... تفسير القرطبي ج: 1 ص: 285. وعن عبد الرحمن بن أبى ليلي وهو من التابعين الثقات المعروفين - قال"لقد أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم لا يسأل عن فتيا إلا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا".
مائة وعشرون من خيرة أصحاب محمد صلي الله عليه وسلم ومن كبارهم وممن طالت أعمارهم فحصلوا علمًا كثيرًا غزيرًا، ومع ذلك يتدافعون الفتيا وكل واحد يتمنى أن أخاه يكفيه الفتيا، ونحن نجلس في بعض المجالس فتطرح موضوعات في الطب فلا تجد إلا الأطباء يتكلمون وإذا تحدثوا في الأدب فلا تجد إلا الأدباء هم الذين يتحدثون، وأما إذا طرحت مسألة دينية إذا بك تفاجأ بأنك تجالس بين هيئة كبار العلماء فإذا سألت عن مسألة فقهية وجدت كل واحد منهم يذكر رأيه والأخر وجهة نظره، وإذا سألت عن صحة حديث وجدت نفسك تجالس مع أئمة الحديث،كالإمام أحمد، والحافظ بن حجر، فهذا يصحح الحديث، والأخر يضعف الحديث، والله المستعان.
وذكر أبو عمر بن عبد البر عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه جاءه رجل فسأله عن شيء، فقال القاسم: لا أحسنه، فجعل الرجل يقول: إني دُفعت إليك، لا أعرف غيرك؛ فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي، وكثرة الناس حولي، والله لا أحسنه.
وقال القاسم أيضًا: والله لئن يُقطع لساني أحبُّ إليَّ من أن أتكلم بما لا أعلم.
وقال يحيى بن سعيد: سمعت القاسم بن محمد يقول: لأن يعيش الرجل جاهلا بعد أن يعرف حق الله عليه خير له من أن يقول مالا يعلم... تهذيب الكمال ج: 23 ص: 433.
وكان سعيد بن المسيب رحمه الله لا يكاد يفتي فتيا، ولا يقول شيئًا إلا قال:"اللهم سلمني وسلم مني". وجاء رجل إلى سُحنون ( من فقهاء المالكية ) يسأله عن مسألة، فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام، فقال: مسألتي أصلحك الله، اليوم ثلاثة أيام؛ فقال له: وما أصنع بمسألتك؟ مسألتك معضلة، وفيها أقاويل، وأنا متحير في ذلك؛ فقال: وأنت أصلحك الله لكل معضلة؛ فقال سُحنون: هيهات يا ابن أخي، ليس بقولك هذا أبذل لحمي ودمي للنار، وما أكثر ما لا أعرف، إن صبرتَ رجوتُ أن تنقلب بمسألتك، وإن أردت أن تمضي إلى غيري فامضي تجاب في مسألتك في ساعة؛ فقال: إنما جئت إليك ولا أستفتي غيرك؛ قال: فاصبر؛ ثم أجابه بعد ذلك. وقال سُحنون:"أشقى الناس من باع آخرته بدنياه، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره، فقال: تفكرت فيه وجدته المفتي يأتيه الرجل قد حنث في امرأته ورقيقته فيقول له: لا شيء عليك، فيذهب الرجل فيستمتع بامرأته ورقيقته وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا".
أسباب الجرأة على الفتيا: