فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 9994

وقال ابن حجر:"قوله: (فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ) أي فليتخذ لنفسه منزلًا, يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنًا, وهو أمر بمعنى التهديد, أو بمعنى التهكم, أو دعاء على فاعل ذلك أي بوأه الله ذلك". فتح الباري: كتاب العلم. وقال النووي:"وأما الكذب فهو عند المتكلمين من أصحابنا: الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو, عمدًا كان أو سهوًا, هذا مذهب أهل السنة". شرح مسلم. وفي رواية الدارمي: عَنْ الزُّبَيْر - رضي الله عنه- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ حَدَّثَ عَنِّي كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ. وليس فيها متعمدًا. يقول ابن حجر تعليقًا على ذلك:"وفي تمسك الزبير بهذا الحديث على ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليل للأصح في أن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواء كان عمدًا أم خطأً, والمخطئ وإن كان غير مأثوم بالإجماع لكن الزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر, لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكن قد يأثم بالإكثار إذ الإكثار مَظِنَّة الخطأ, والثقة إذا حدث بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يعمل به على الدوام للوثوق بنقله, فيكون سببًا للعمل بما لم يقله الشارع, فمن خشي من إكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد الإكثار, فمن ثم توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث. وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت, أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان. رضي الله عنهم."

تتمة:

في هذه الرواية (( أعني رواية الدارمي السالفة ) )، وجعلها نعم ما تمسك به الزبير - رضي الله عنه- دليلًا على قلة التحديث، وما هو إلا الورع والإحجام عن محارم الله عز وجل، بل إنه بيان واضح لكل من سولت له نفسه إقدامًا بدون مهابة وجرأة بدون رجعة للفتيا في أحكام الله، ثم يتعلل إذا ما ظهر خطأ في الحكم أنه لم يتعمد ذلك ولم يقصده، بل تجده يقلب مسألة ما ظهرًا لبطن وهو لا يعلم أين مظانها ومن هم القائلون بالتحريم، ومن قال بالكراهة، ولكن السر في ذلك أن نفسه الأمارة بالسوء لم تهدأ إذا طُرحت مسألة في مكان يتداول فيه العلم حدثته نفسُهُ أنه لابد أن يكون له جولة وبيان وصيت بين صفوة أهل العلم الشرعي، فهل أمثال هؤلاء يعذرون بمقاصدهم ؟ وأين هم من الزبير - رضي الله عنه- وزهده وورعه وإحجامه، ومعرفته لقدر نفسه. يقول ابن حجر في فتح الباري: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال:"عناني ذلك"يعني قلة رواية الزبير:"فسألته"أي عن ذلك"فقال: يا بني, كان بيني وبينه من القرابة والرحم ما علمت, وعمته أمي, وزوجته خديجة عمتي, وأمه آمنة بنت وهب وجدتي هالة بنت وهيب ابني عبد مناف بن زهرة, وعندي أمك, وأختها عائشة عنده, ولكني سمعته يقول"مَنْ حَدَّثَ عَنِّي كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ"."قلوب خالطت محبة الله بشاشتها، وقلوب دنست وساوس الشيطان صفاء ها ونقاءها""

ويقول النووي في شرح مسلم:"واعلم أن هذا الحديث يشتمل على فوائد وجمل من القواعد:"

إحداها: تقرير هذه القاعدة لأهل السنة أن الكذب يتناول إخبار العامد والساهي عن الشيء بخلاف ما هو.

الثانية: تعظيم تحريم الكذب عليه صلى الله عليه وسلم وأنه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة ولكن لا يكفر بهذا الكذب إلا أن يستحله. هذا هو المشهور من مذاهب العلماء من الطوائف.

الثالثة: أنه لا فرق في تحريم الكذب عليه صلى الله عليه وسلم بين ما كان في الأحكام، وما لا حكم فيه كالترغيب والترهيب والمواعظ وغير ذلك، فكله حرام من أكبر الكبائر وأقبح القبائح بإجماع المسلمين الذين يعتد بهم في الإجماع.

الرابعة: يحرم رواية الحديث الموضوع على من عرف كونه موضوعا أو غلب على ظنه وضعه فمن روى حديثا علم أو ظن وضعه ولم يبين حال روايته ووضعه فهو داخل في هذا الوعيد, مندرج في جملة الكاذبين على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ويدل عليه أيضا الحديث ( من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ) .

ولهذا قال العلماء: ينبغي لمن أراد رواية حديث أو ذكره أن ينظر فإن كان صحيحاُ أو حسنًا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعله أو نحو ذلك من صيغ الجزم وإن كان ضعيفًا فلا يقل: قال أو فعل أو أمر أو نهى وشبه ذلك من صيغ الجزم بل يقول: رُوي عنه كذا أو جاء عنه كذا أو ( يُروى أو يُذكر أو يُحكى أو يُقال أو بلغنا وما أشبهه. والله سبحانه أعلم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أَفْتَى ح، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ"أخرجه أبو ( داود، وقال الألباني:(حسن) انظر حديث رقم: 6068. في صحيح الجامع. عَنْ عَبْد اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:"إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا"البخاري ومسلم. يقول ابن حجر في الفتح: وقد اشتهر هذا الحديث من رواية هشام بن عروة فوقع لنا من رواية أكثر من سبعين نفسا عنه من أهل الحرمين والعراقين والشام وخراسان ومصر وغيرها, وكان تحديث النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في حجة الوداع كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامه قال: لما كان في حجة الوداع قال النبي صلى الله عليه وسلم:"خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع"فقال أعرابي: كيف يرفع ؟ فقال:"ألا إن ذهاب العلم ذهاب حملته. ثلاث مرات". الفتح ج1ص235ط الريان."

ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم، حضره في حجة الوداع أكثر من مائة ألف صحابي في أعظم محفل تم في الإسلام، وهو ينصح ويودع قائلًا:"لعلكم لا تروني بعد عامي هذا"نصيحة لا نصيحة بعدها، فكان حكمة الله تعالى أن تحريم الفُتيا في دين الله بغير علم أمر يتناوله جمهرة غفيرة من أفاضل الصحابة فينشرونه في بقاع العالم الإسلامي حتى أصبح هذا الحكم معلومًا من الدين بالضرورة ليستوي في معرفته الخاص والعام ن وما ذاك غلا لخطورة هذا المنزلق حيث تضيع الهيبة الشرعية من صدور القوم، وتبدل أحكام في الله في أرضه.

صور ونماذج السلف في الإحجام عن الفُتيا:

قوله تعالى عن الملائكة: {قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (البقرة:32) قال البيضاوي في تفسيره:"اعتراف بالعجز والقصور وإشعار بأن سؤالهم كان استفسارًا ولم يكن اعتراضًا، ومراعاة للأدب بتفويض العلم كله إليه..."تفسير البيضاوي ج: 1 ص: 288.

وقال القرطبي في سياق تفسير الآية السالفة:"الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: الله أعلم، ولا أدري اقتداء بالملائكة، والأنبياء، والفضلاء من العلماء، لكن قد أخبر الصادق أن بموت العلماء يقبض العلم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيَضِلون ويُضلون". ج1: ص: 285.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت