فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 9994

التمائم في ميزان العقيدة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، أما بعد:

فإن التوكل على الله تعالى من أفضل القربات التي يتقرب بها العباد إلى الله، كما ذكر الله ذلك في آيات كثيرة، والتوكل هو الاعتماد على الله مع العمل بأسباب جلب الخير ودفع الشر، وينافي التوكل على الله التعلق بأمور وهمية لا تأثير لها في حقيقة الأمر، ومن ذلك تعليق التمائم والحروز التي يصنعها السحرة والمشعوذون. وسنأتي على شيء من التفصيل في بيان معنى التمائم وحكمها.

تعريف التمائم في اللغة والشرع:

قال في اللسان: والتميم: العوذ، واحدتها تميمة، قال أبو منصور: أراد الخرز الذي يتخذ عوذًا، والتميمة خرزة رقطاء تنظم في السير، ثم يعقد في العنق وهي التمائم والتميم، وقيل: هي قلادة يجعل فيها سيور وعوذ. وحكي عن ثعلب: تَمَّمت المولود: علقت عليه التمائم، والتميمة عوذة تعلق على الإنسان. قال ابن بري: ومنه قول سلمة بن الخرشب:

تعوذ بالرقى من غير خبل *** وتعقد في قلائدها التميم

قال: والتميم جمع تميمة.1

قال ابن حجر: والتمائم: جمع تميمة، وهي خرز أو قلادة تعلق في الرأس كانوا في الجاهلية يعتقدون أن ذلك يدفع الآفات.2

قال ابن الأثير: التمائم جمع تميمة وهي خَرَزات كانت العرب تُعلّقها على أولادهم يَتَّقُون بها العين في زعْمهم فأبْطلها الإسلام.3

إذا فهي كلُ ما علق من أجل دفع شر متوقع حصوله من مرض، أو عين، أو رفع شرٍ، وقع فعلًا سواء كان المعلق خرزاتٍ أو أخشابًا أو خيوطًا أو أوراقًا أو غير ذلك.

استعمالات التمائم:

تستعمل التمائم لغرضين هما:

الأول: دفع الشر المتوقع من مرض، أو عين قبل أن يحصل، وهذا ظاهر فيما يعلق على الصبيان والفرس والمساكن ونحو ذلك.

الثاني: دفع الشر الذي وقع بالفعل وهذا ظاهر فيما يتعلقه المرضى بالواهنة والحمرة والحمى كما يتضح مما سيأتي.

حكم التمائم في الإسلام:

لما كان اعتقاد الجاهليين في تعليق التمائم فيه من اللجوء إلى غير الله في جلب الخير ودفع الضر بما لم يجعله الله سببا شرعيًا لذلك، واعتقاد هذا جهل وضلال، وإشراك بالله؛ إذ لا مانع ولا دافع غير الله.

ولما في ذلك من تعلق القلوب والغفلة عن الله -سبحانه- ولمنافاة هذا العمل للتوحيد، أنكره الإسلام عليهم، وزجرهم عنه، وشدد وغلظ في هذا الموضوع؛ لما فيه من الشرك، فحكم التمائم التحريم؛ لما فيها من التعلق بغير الله؛ إذ لا دافع إلا الله، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وأسمائه وصفاته.

الأدلة على تحريم التمائم:

أولًا: من القرآن الكريم:

قول الله تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} (17) سورة الأنعام. وقال سبحانه: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (107) سورة يونس. وقال سبحانه: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} (53) سورة النحل. ففي هذه الآيات الكريمات دلالة واضحة على أنه لا يكشف الضر إلا الله، وأنه سبحانه هو الذي يلجأ إليه العباد لجلب الخير ودفع الشر وهو القادر على ذلك بسبب أو بغير سبب.

ثانيًا: من السنة:

وهذه بعض الأحاديث الواردة في المنع من هذا الأمر: فعن قيس بن السكن الأسدي قال: دخل عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- على امرأة أي من أهله فرأى عليها خرزا من الحمرة فقطعه قطعًا عنيفًا، ثم قال: إن آل عبدالله عن الشرك أغنياء وقال: كان مما حفظنا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الرُّقى والتمائم والتِّولة شرك) .4

وعن عيسى بن عبد الرحمن قال: دخلنا على عبد الله بن عكيم وهو مريض نعوده فقيل له: لو تعلقت شيئًا! فقال: أتعلق شيئا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تعلق شيئًا وكل إليه) ؟5.

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه مرفوعا: (من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له) 6.

وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من علق تميمة فقد أشرك) 7. فهذه النصوص وما في معناها في التحذير من الرقى الشركية التي كانت هي غالب رقى العرب، فنهي عنها لما فيها من الشرك والتعلق بغير الله تعالى.

ويدخل في التمائم: تعليق نعل الفرس على باب الدار، أو في صدر المكان، وتعليق بعض السائقين نعلًا في مقدمة السيارة، أو مؤخرتها، أو الخرز الأزرق على مرآة السيارة التي تكون أمام السائق من الداخل كل ذلك من أجل العين -زعموا- !، وغير ذلك مما عمَّ وطم َّ بسبب الجهل بالتوحيد وما ينافيه من الشركيات والوثنيات التي ما بُعثَ الرسل ولا أنزلت الكتب إلا من أجل إبطالها، والقضاء عليها، فإلى الله المشتكى من جهل بعض المسلمين اليوم وبُعدِهم عن الدين.8

متى تكون التمائم شركًا أكبرَ، ومتى تكون شركًا أصغرَ؟

التمائم الشركية تختلف حسب الأحوال وحسب المعلق لها فقد تكون شركا أكبر وقد تكون شركا أصغر، فالذي يعلق شيئا ويعبده من دون الله فهذا يكون شركا أكبرَ، أما إذا اعتقد أنها سبب للسلامة من العين فهذا من الشرك الأصغر.

الأسباب إما شرعية وإما طبيعية:

والأسباب إما أن تكون شرعية أو تكون طبيعية. فالسبب الشرعي ما جعله الله سببًا في الشرع بنص آية أو حديث كمثل الدعاء والرقية الشرعية فإنهما سبب شرعي لجلب الخير للعبد أو لدفع الشر عنه بإذن الله تعالى، فالمباشر لهذه الأسباب إنما لجأ إلى الله الذي أمر بها وبيَّن أنها أسباب، والاعتماد على الله لا عليها؛ لأنه هو سبحانه الذي جعلها أسبابًا وهو القادر على تعطيل تأثيرها، فيكون الاعتماد أولًا وأخيرًا عليه سبحانه وتعالى.

وأما السبب الطبيعي فهو ما كان بينه وبين تأثيره مناسبة واضحة يدركها الناس في الواقع المحسوس أو المعقول مثل أن شرب الماء سبب لإزالة العطش، والتدثر بالملابس سبب لإزالة البرد، ومثل الأدوية المصنوعة من مواد معينة تؤثر على الجراثيم المسببة للمرض فتقتلها.9

علاقة الأسباب بالتمائم:

إن التميمة جماد لا تأثير له ولا علاقة له بالشفاء، فعلى هذا فإن المعلق لها جعلها سببا شرعيًا، وضابط السبب الشرعي أن يثبت بالدليل وهذه التميمة لم يثبت دليل على أنها سبب شرعي.

حكم التمائم إذا كانت من القرآن أو من الأدعية النبوية:

التمائم التي من الآيات القرآنية هي على أشكال مختلفة منها ما يكتب في أوراق، ثم تحاط بجلد صغير، ومنها مصاحف تطبع بحجم صغير جدًا أحيانًا تعلق في الرقبة، ومن الناس من يحملها معه بدون تعليق، ومنها كتابة بعض الآيات القرآنية في قطع ذهبية، أو فضية، أو غيرهما، وغالبًا ما تعلق في أعناق الصبيان، وعلى السيارات، وغير ذلك من الصور المختلفة.

وهذا النوع من التمائم التي ليس فيها إلا قرآن قد اختلف العلماء في تعليقه، فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه وإليك أقوالهم:

القول الأول:

وهم القائلون بمنع التعليق لهذه التمائم واستدلوا بما يلي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت