وقال إسحاق بن خلف: كان داود الطائي -رحمه الله تعالى- على سطح في ليلة قمراء فتفكر في ملكوت السموات والأرض وهو ينظر إلى السماء ويبكي حتى وقع في دار جار له, قال: فوثب صاحب الدار من فراشه عريانًا وبيده سيف وظن أنه لص, فلما نظر إلى داود رجع ووضع السيف, وقال: من ذا الذي طرحك من السطح, قال: ما شعرت بذلك!!.
وقال الجنيد: أشرف المجالس وأعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد, والتنسم بنسيم المعرفة, والشرب بكأس المحبة من بحر الوداد, والنظر بحسن الظن لله -عز وجل -, ثم قال: يا لها من مجالس ما أجلها! ومن شراب ما ألذه! طوبى لمن رزقه. وقال الشافعي -رحمه الله-: استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر6.
بيان حقيقة الفكر وفائدته:
التفكر هو: تصرف القلب وتجوله في معاني الأشياء لدرك المطلوب, وهو سراج القلب يرى به خيره وشره.
وأما فائدة الفكر -عباد الله- فهي ما يحصل للمتفكر من معرفة بعض ما أودع الله في هذا الكون من الآيات العظيمة وبدايةً من هذا الإنسان, قال تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (21) سورة الداريات. وما يحصل للمتفكر من زيادة في الإيمان والأعمال الصالحة.
أيها الإخوة المؤمنون -عباد الله-: فالفكر إذن هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها, وهذا هو الذي يكشف لك فضيلة التفكر, وأنه خير من الذكر والتذكر؛ لأن الفكر ذكر وزيادة, وذكر القلب خير من عمل الجوارح بل شرف العمل لما فيه من الذكر.
فإذن: التفكر من أفضل الأعمال القلبية, ولذلك قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: (تفكر ساعة خير من عبادة سنة) .
نسأل الله أن يغفر ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وأن ينصرنا على القوم الكافرين..
الخطبة الثانية:
نسأل الله ربنا أن يبلغ بنا من الحمد ما هو أهله, وأن يعلمنا من البيان ما يقصر عنه مزية الفضل وأصله, وحكمة الخطاب وفضله, ونرغب إليه أن يوفقنا للصلاة على نبينا محمد رسوله, وعلى آله وصحبه الذي منهم من سبق وبدر، ومنهم من صابر وصبر، ومنهم من آوى ونصر.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار...
إني رأيت عواقب الدنيا ... *** ... فتركت ما أهوى لما أخشى
فكرت في الدنيا وعالمها ... *** ... فإذا جميع أمورها تفنى
وبلوت أكثر أهلها فإذا ... *** ... كل امرئٍ في شأنه يسعى
أسنى منازلها وأرفعها ... *** ... في العز أقربها من المهوى
تعفو مساويها محاسنها ... *** ... لا فرق بين النعي والبشرى
إني مررت على القبور فما ... *** ... ميزت بين العبد والمولى
أتراك تدري كم رأيت من ... *** ... الأحياء ثم رأيتهم موتى
أيها المؤمنون- عباد الله-: لعلنا في هذه اللحظات نتناول بعض فوائد التفكر في هذا الكون, وما بسط الله فيه من الآيات التي تهدينا إلى معرفة تلك الفوائد, ومنها:
أولًا: أن التفكر طريق موصل إلى رضوان الله ومحبته ومعرفته, ولا أدل على ذلك من الأعرابي الذي نظر في الكون, فهداه الله إلى معرفته، وذلك عندما قال: البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير، فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج! أفلا يدل على العليم الخبير؟!
ومن الفوائد كذلك: أنه يؤدي إلى انشراح الصدر وطمأنينة القلب وسكينته، وكذلك يورث الخوف والخشية من الله -عز وجل-.
وكذلك التفكر يورث الحكمة، ويحي القلوب بنور الإيمان الذي يصل إليه الإنسان من خلال التفكر.
ومن الفوائد كذلك -عباد الله-: كثرة الاعتبار والاتعاظ من سير السابقين، وقد قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ} (21) سورة الزمر، أي أولي العقول التي تتجول في الكون. ومن الفوائد العظيمة للتفكر: أن للتفكر قيمة عقلية كبرى تؤدي إلى يقظة الأفراد ونهضة الشعوب, ولذا لا يمكن لأي أمة تريد أن تنهض لن تنهض حتى تفكر في ماضيها وفي الأمم المتطورة من حولها.
أيها الناس: صلوا وسلموا على البشير النذير، والسراج المنير، فقد أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه, وثنى فيه بملائكته المسبحة بقدسه، وثلث بكم -أيها المؤمنون- من جنه وإنسه, فقال -عز من قائل-: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (56) سورة الأحزاب. اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين, وانصر الإسلام والمسلمين.
عباد الله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلًا، إن الله يعلم ما تصنعون.
والحمد لله رب العالمين،،،
1 -إحياء علوم الدين: محمد بن محمد الغزالي أبو حامد: دار المعرفة - بيروت: 4/ 423.
2 -الفوائد: محمد ابن أبي بكر ابن أيوب ابن القيم الزرعي أبو عبد الله: دار الكتب العلمية - بيروت -ـ الطبعة الثانية، 1393 هـ - 1973م: ص 198.
3 -صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان: محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي: مؤسسة الرسالة - بيروت: الطبعة الثانية، 1414 - 1993: تحقيق: شعيب الأرنؤوط 2/386، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (68) .
4 -إحياء علوم الدين: ( 4/424) .
5 -إحياء علوم الدين، بتصرف: ( 4/423) .
6 -إحياء علوم الدين (4/425) .