الحمد لله الذي لم يُقدر لانتهاء عزته نحوًا ولا قطرًا, ولم يجعل لمراقي أقدام الأوهام ومرمى سهام الأفهام إلى حمى عظمته مجرى, بل ترك قلوب الطالبين في بيداء كبريائه وآلهته حيرى، كلما اهتزت لنيل مطلوبها ردتها سبحات الجلال قسرًا, وإذا همت بالانصراف آيسة، نوديت من سرادقات الجمال صبرا صبرًا, ثم قيل لها أجيلي في ذل العبودية منك فكرًا, لأنك لو تفكرت في جلال الربوبية، لم تقدري له قدرًا, وإن طلبت وراء الفكر أمرا فانظري في نعم الله -تعالى- وأياديه كيف توالت عليك تترى, وجددي لكل نعمة منها ذكرًا وشكرًا, وتأملي في بحار المقادير كيف فاضت على العالمين خيرًا وشرًا, ونفعًا وضرًا, وعسرًا ويسرًا, وفوزًا وخسرًا، وجبرًا وكسرًا، وطيًا ونشرًا، وإيمانًا وكفرًا, وعرفانًا ونكرًا، فإن جاوزت النظر في الأفعال إلى النظر في الذات فقد حاولت أمرًا إمرًا, وخاطرت بنفسك مجاوزة حد طاقة البشر ظلمًا وجورًا, فقد انبهرت العقول دون مبادئ إشراقه، وانتكصت على أعقابها اضطرارًا وقهرًا, والصلاة على محمد -سيد ولد آدم- وإن كان لم يعد سيادته فخرًا, صلاة تبقى لنا في عرصات القيامة عدة وذخرًا, وعلى آله وأصحابه الذين أصبح كل واحد منهم في سماء الدين بدرًا، ولطوائف المسلمين صدرًا، وسلم تسليمًا كثير1.
أما بعد:
عباد الله:
فإن التفكر في خلق الله وفي أمور الدين والآخرة من صفات عباد الله الصالحين، ولقد أكثر الله -تعالى- في القرآن الكريم من لفت الانتباه إلى قضية التفكر في هذا الكون الدال على عظمة الله وقوته، وعلى علمه وحكمته،،
قال بن القيم -رحمه الله-: (أصل الخير والشر من قبل التفكر، فإن الفكر مبدأ الإرادة والطلب في الزهد والترك والحب والبغض, وأنفع الفِكر: الفكر في مصالح المعاد, وفي طرق اجتلابها, وفي دفع مفاسد المعاد, وفي طرق اجتنابها, فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار، ويليها أربعة: فكر في مصالح الدنيا وطرق تحصيلها, وفكر في مفاسد الدنيا وطرق الاحتراز منها, فعلى هذه الأقسام الثمانية دارت أفكار العقلاء ورأس القسم الأول: الفكر في آلاء الله ونعمه, وأمره ونهيه وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنة نبيه وما والاهما, وهذا الفكر يثمر لصاحبه المحبة والمعرفة, فإذا فكر في الآخرة وشرفها ودوامها, وفي الدنيا وخستها وفنائها؛ أثمر له ذلك الرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا, وكلما فكر في قصر الأمل وضيق الوقت أورثه ذلك الجد والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام الوقت, وهذه الأفكار تعلي همته وتحييها بعد موتها وسفولها, وتجعله في واد والناس في واد, وبإزاء هذه الأفكار -الأفكار الرديئة- التي تجول في قلوب أكثر الخلق كالفكر فيما لم يكلف الفكر فيه ولا أعطى الإحاطة به من فضول العلم الذي لا ينفع، كالفكر في كيفية ذات الرب وصفاته, وغيرها مما لا سبيل للعقول في إدراكه) .2
قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: (ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه) .
أيها المؤمنون -عباد الله- لقد كثر الحث في كتاب الله تعالى على التدبر والاعتبار والنظر والافتكار, ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار, ومبدأ الاستبصار, وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم, وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته لكن جهلوا حقيقته وثمرته.
وقد أمر الله تعالى بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز في مواضع لا تحصى, وأثنى على المتفكرين فقال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (191) سورة آل عمران.
بل توعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من لم يتفكر في الكون فعن عطاء قال: انطلقت يومًا أنا وعبيد بن عمير إلى عائشة -رضي الله عنها- فكلمتنا وبيننا وبينها حجاب, فقالت: يا عبيد ما يمنعك من زيارتنا, قال: قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (زر غِبًا تزدد حبًا) ، قال ابن عمير: فأخبرينا بأعجب شيءٍ رايتيه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: فبكت, وقالت: كل أمره كان عجبًا! أتاني في ليلتي حتى مس جلده جلدي, ثم قال: (ذريني أتعبد لربى - عز وجل-) , فقام إلى القربة فتوضأ منها, ثم قام يصلى فبكى حتى بل لحيته, ثم سجد حتى بل الأرض, ثم اضطجع على جنبه حتى أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح, فقال: يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر, فقال: (ويحك يا بلال! وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله -تعالى- عليَّ في هذه الليلة: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} (190) سورة آل عمران.ثم قال: (ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها) .3 فقيل للأوزاعي ما غاية التفكير فيهن؟ قال: يقرؤهن ويعقلهن.4
وما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق لهم ربهم, حتى أيقنت قلوبهم, وحتى كأنما عبدوا الله عن رؤيته, وما رأى العارفون شيئًا من الدنيا إلا تذكروا به ما وعد الله به من جنسه في الآخرة من كل خير وعافية.
وعن محمد بن واسع أن رجلًا من أهل البصرة ركب إلى أم ذر بعد موت أبى ذر, فسألها عن عبادة أبى ذر فقالت: كان نهاره أجمع في ناحية البيت يتفكر. وعن الحسن قال: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. وعن الفضيل قال: الفكر مرآة تريك حسناتك وسيئاتك, وقيل لإبراهيم ابن أدهم إنك تطيل الفكرة, فقال: الفكرة مخ العقل, وكان سفيان بن عيينة كثيرًا ما يتمثل بقول القائل:
إذا المرء كانت له فكرة ... ففي كل شيء له عبرة
وقال الحسن: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو, ومن لم يكن سكوته تفكرًا فهو سهو, ومن لم يكن نظره اعتبارًا فهو لهو. وقال الحسن في قوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} (146) سورة الأعراف. أي: أمنع قلوبهم التفكر في أمري.
فأعطوا أعينكم -عباد الله- حظها من العبادة وذلك بالنظر في المصحف والتفكر فيه والاعتبار عند عجائبه.
(قلوب العارفين لها عيون ... ترى ما لا يراه الناظرون) 5
وكان لقمان يطيل الجلوس وحده فكان يمر به مولاه فيقول: يا لقمان إنك تديم الجلوس وحدك! فلو جلست مع الناس كان آنس لك, فيقول لقمان: إن طول الوحدة أفهم للفكر، وطول الفكر دليل على طريق الجنة. وقال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئ قط إلا علم, وما علم امرؤ قط إلا عمل.
وقال عمر بن عبد العزيز: الفكرة في نعم الله عز وجل من أفضل العبادة. قال عبد الله بن المبارك يومًا لسهل بن علي -ورآه ساكتا متفكرًا-: أين بلغت؟ قال: الصراط.
وقال بِشْر: لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل. وعن ابن عباس: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب..
وبينا أبو شريح يمشى إذ جلس فتقنع بكسائه فجعل يبكي فقيل له: ما يبكيك؟ قال: تفكرت في ذهاب عمري, وقلة عملي, واقتراب أجلي.
وقال أبو سليمان: عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر. وقال: الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة وعقوبة لأهل الولاية, والفكر في الآخرة يورث الحكمة ويحيي القلوب, وقال حاتم: من العبرة يزيد العلم، ومن الذكر يزيد يزيد الحب، ومن التفكر يزيد الخوف.
وقال ابن عباس: التفكر في الخير يدعو إلى العمل به, والندم على الشر يدعو إلى تركه.
وقال الحسن: إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة.