فهرس الكتاب

الصفحة 9983 من 9994

فتحت أبواب الجنة وما أدراك ما الجنة ؟ أنا ما وصفت الجنة وإنما بينت لك منزلة آخر رجل يدخل الجنة وأدنى منزلة في الجنة وأنا لا أعلم هل يا ترى هذا الرجل هو صاحب هذه المنزلة أم لا ، الله جل وعلا أعلم .

فتحت أبواب الرحمة ، الله ، وما أدراك ما الرحمة ؟ إنها رحمة الرحمن إنها رحمة الرحيم ، إنها رحمة الغفور ، إنها رحمة اللطيف ، إنها رحمة الله فتحت أبواب الرحمة .

والله ، والله ، لو تدبرت ووقفت على سعة رحمة الله وعرفها كل أحد على وجه الأرض ما قنط كافر على الأرض من رحمته والله لو عرفنا رحمة الرحمن ما قنط كافر على الأرض من رحمته أبداً قال جل وعلا: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء ) (الأعراف/156) يا رب ونحن شيء في كونك وملكك فلتسعنا رحمتك يا أرحم الراحمين .

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي قال:"لما خلق الله الخلق كتب في كتاب هو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي" (2) وفي لفظ"إن رحمتي سبقت غضبي".

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي قال:"جعل الله الرحمة مائة جزء"تصور الرحمة"فأمسك عنده تبارك وتعالى تسعة وتسعين جزءا وأنزل إلى الأرض جزءاً واحداً فمن هذا الجزء"من مائة جزء من رحمة الله من هذا الجزء الذي أنزله الله الأرض"تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه" ( [4] ) أما استوعبت هذا الكلام النبوي ، هل رأيت يوماً دابة من الدواب ترفع حافر رجلها عن ولدها حتى لا تصيبه ، خشية أن تؤذيه ؟ هل رأيت هذه المشاهد الرقراقة من مشاهد الرحمة في الكون ؟ هل رأيت غنياً يرحم فقيراً في صورة جميلة رقيقة ؟ ثم هل رأيت طبيباً رحيماً يرحم مريضاً يتألم ؟ ثم هل رأيت رجلاً يرحم كلباً فيقدم له ماءاً أو طعاماً ؟ ثم هل رأيت أماً رحيماً ترحم ولدها وتضم ولدها إلى صدرها ؟ ثم هل رأيت والدا رحيماً كريماً يخرج الطعام من فمه ليطعم به ولده الصغير أو الكبير ؟ .

يا لها من مشاهد ! إنها مشاهد الرحمة في الكون ، إنها مشاهد العطف في الكون ، كل هذه المشاهد وغير هذه المشاهد من صور الرحمة في الكون ومن بينها رحمة المصطفى صلى الله عليه وسلم محمد وهذا موضوع طويل جليل لا أريد أن أفتح الباب في الحديث فيه وإلا فوالله لا يتسع له الوقت بل ولا العمر رحمة المصطفى صلى الله عليه وسلم رحمته بالنساء ، رحمته بالأطفال ، رحمته بالشيوخ ، رحمته بالحيوان ، رحمته حتى بأهل المعصية .

رحمة الحبيب إنما هي جزء من جزء من مائة جزء من رحمة الرحمن الرحيم جل وعلا ، لذا يقول ربنا جل جلاله في الحديث القدسي الجليل الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة - رضى الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة قال:"أذنب عبدي ذنباً - فقال أي العبد: رب اغفر لي ذنبي"قال الله تبارك وتعالى:"أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب"ثم عاد العبد فأذنب فقال: أي رب اغفر لي ذنبي فقال الرب تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب"- ثم أذنب العبد ذنباً - أي ثالثاً - فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال الرب تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب فليفعل عبدي ما يشاء فقد غفرت له" ( [5] )

هذا حديث يفتح لنا باب الرجاء ، لا باب الجرأة على الله ، لا بل من عرف الله أحبه ، ومن عرف الله خافه ، فالحديث لا بفتح لنا أبواب الجرأة على المعصية ، كلا بل يفتح لنا أبواب الرجاء وأبواب الرحمة فالمؤمن الصادق يسير إلى الله بين هذين الجناحين ، جناح الرجاء والخوف ، بجناح الحب والوجل .

ففي صحيح البخاري أن عثمان بن مظعون لما مات قالت أم العلاء - امرأة من الأنصار - قالت: رحمة الله عليك أبا السائب شهادتي عليك أن الله أكرمك - تقصد عثمان بن مظعون - ولما لا ؟! وعثمان بن مظعون هو أول من لقب بالسلف الصالح ؟ وعثمان بن مظعون هو أول من دفن بالبقيع وعثمان بن مظعون ممن شهدوا بدرا ؟ .

وعثمان بن مظعون كما في مسند أحمد - ومن أهل العلم من ضعف سند هذه الرواية ، لكن الراجح أن السند حسن بشواهده: لما مات ذهب إليه النبي فقبل النبي عثمان بن مظعون ، حتى سالت دموع النبي على خدي عثمان فلما مات قالت أم العلاء: شهادتي عليك أن الله أكرمك فقال الحبيب:"وما يدريك أن الله أكرمه ؟ قالت: سبحان الله فمن يا رسول الله ؟ فمن هذا الذي سيكرمه الله إن لم يكرم عثمان بن مظعون ؟ ! فقال النبي أعرف الخلق بالرب قال:"أما هو فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير"ثم قال"والله لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم" ( [6] ) "

فالعبد السائر إلى الله جل وعلا يسير بين جناحين: الخوف والرجاء قال الرب: أذنب عبدي ذنبا فعل أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب فتب إلى الله جل وعلا كلما أذنبت ، وكلما زلت قدمك في بؤرة معصية وكلما جذبت أشواك الآثام ثوبك ، فما عليك إلا أن تطهر الثوب بدموع التوبة والأوبة وأن تغتسل بدموع التوبة وأن ترجع إلى الله جل وعلا وأنت على يقين بأن الحق سبحانه سيفرح بتوبتك وهو الغني عنك: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (الزمر/53) قال المصطفي:"والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم" ( [7] )

قال جل وعلا: ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) (آل عمران/133) من المتقون ؟ ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ) (آل عمران/134-135) هذا هو المراد ، إياك أن تصر على ذنب ، ولو كان صغيرا ، إياك أن تصر على معصية ولو كانت صغيرة لكن إن ضعفت لبشريتك ووقعت في الذنب والمعصية فما عليك إلا أن تجدد التوبة بعد كل ذنب واعلم بأن الله لا يمل حتى تمل .

ومن أعظم صور الرحمة أن فرض الله علينا رمضان لنصوم أياماً من أعظم صور الرحمة تدبر معي قول النبي:"إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن" ( [8] ) إذن لماذا نرى من يشرب الخمر وربما من يزني ويسرق ويسب كيف يحدث ذلك وقد صفدت الشياطين ؟‍ كيف يقع ذلك وقد سلسلت مردة الجن ؟ .

انتبه لتعلم أن كل هذا بسبب عدو شرس بين جنبيك قلما تنتبه إليه إنها النفس الأمارة بالسوء (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (يوسف/53) ومن ثم فرض الله علينا صيام هذا الشهر بطوله لتزكو هذه النفوس، لتهذب بهذه المدرسة الإيمانية الكبرى نفوسنا ، لنزكى نفوسنا لنزكى أخلاقنا .فالصيام تهذيب للنفس ، وترويض للنفس ، الصيام يفطم النفس عن شهواتها ، ويفطم النفس عن شبهاتها ، ومن ثم لو تدبرت الصيام لسجدت لله شكرا أن فرض الله على الأمة صيام هذا الشهر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت