المؤمن يفرح بقدوم شهر رمضان ، أما المنافق يتأذى كل الأذى بقدوم شهر رمضان ، هاهو ترمومتر حساس دقيق ، يستطيع الآن كل مسلم أن يقيس به إيمانه من عدمه أو من ضعفه ، المؤمن يفرح بمواسم الطاعة ، يفرح بمواسم الخير ، لأن المؤمن الصادق لا يفرح إلا بفضل الله ، وهل هناك فضل يفوق فضل الله تبارك وتعالى علينا في هذا الشهر العظيم الكريم الذي فرض علينا صيامه وسن لنا نبينا قيامه ؟ لا والله .
فلقد اصطفى ربنا شهر رمضان من بين سائر الشهور فكرمه ، إذ أنزل فيه القرآن وفرض على الأمة صيامه ، وكلف نبيه أن يسن للأمة قيامه ، الفرح الحقيقي ليس في المال ، ليس في الجاه والغنى والسلطان ، ليس في الدنيا وبكن الفرح الحقيقي في فضل الله تبارك وتعالى قال جل جلاله: ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (يونس/58)
أرأيت لو غاب لك حبيب ، لو سافر ولدك للدراسة هنا أو هنالك وغاب عن عينك شهوراً طويلة عاما إلا قليلا ، وهاهو يتصل عليك ، ليبشرك بقدومه كيف سيكون استقبالك لحبيبك ؟ كيف يكون استقبالك لولدك الغائب عن عينك وبصرك ؟ أتصور أن الفرحة لا يستطيع بليغ أديب أن يعبر عنها أو أن يجسدها ، فالمؤمن الصادق يستقبل هذا الغائب الذي يأتيه في العام مرة واحدة يستقبله استقبالاً يليق بقدر هذا الشهر عند الله ، يستقبله بحفاوة بالغة وبفرحة شديدة عارمة ولم لا وهو ربيع الأمة وموسم الخير ، وشهر البركات والطاعات ، الذي سيقربه إن صدق إلى رب الأرض والسماوات ؟ .
تدبر معي أيها الحبيب اللبيب قول رسول الله والحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال:"إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة"أكررها عليك قال الصادق:"إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة" ( [1] )
وفي لفظ مسلم:"فتحت أبواب الرحمة" ( [2] ) وفي لفظ الترمذي والبهيقي:"إذا كان أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار ، فلم يفتح منها باب ، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ، وينادى مناد: ياباغي الخير أقبل ، ويا باغي الشر أقصر ، ولله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة حتى ينقضي رمضان" ( [3] )
لا إله إلا الله فتحت أبواب الجنة أقسم بالله: محروم ومخذول ، من يفتح له الله أبواب الجنة ولا يسابق الأنفاس ، ليدخل أبوابها محروم ، من يفتح الله له أبواب الرحمة دون أن يزج بنفسه في رحمات الرحمن جل وعلا ، أبواب الجنة تفتح في أول يوم ، أبواب الرحمة تفتح في أول يوم ، فمحروم مخذول من لا يدخل من هذه الأبواب . متى ستدخل الأبواب إن لم تدخلها الآن ؟ أبواب الجنة مفتحة ، وأبواب الرحمة مفتحة وما أدراك ما الجنة ؟ وما أدراك ما الرحمة ؟ سؤالان أجيب عليهما باختصار شديد وإلا ، فإن الجواب على واحد منهما يحتاج ورب الكعبة إلى اللقاء بطوله: ما أدراك ما الجنة ؟ التي سيفتح الله لك أبوابها مع أول يوم من أيام رمضان .
الجنة لن أصف نعيمها ، ولن أقف مع قصورها ، ولن أصف لكم حريرها ، ولا حورها ولا ذهبها ولا فضتها ، ولا حريرها ولا نعيمها ، إنما سأقف فقط مع حديثين اثنين للنبي صلى الله عليه وسلم يبين فيهما نبينا آخر رجل يدخل الجنة ويبين فيه أدنى منزلة في الجنة .
الأول: رواه مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن النبي قال:"آخر رجل يدخل الجنة من أمتي يمشي على الصراط مرة ويكبو مرة - يعني ينكفئ على وجهه مرة - وتسفعه النار مرة فإذا نجاه الله وعبر الصراط التفت إلى النار من خلفه وهي تضطرم قال: تبارك الذي نجاني منك الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين من خلقه"وهو آخر رجل سفعته النار على الصراط قال:"فيرفع الله له شجرة"
وأرجو أن تتصور أيها الحبيب شجرة غرسها ملك الملوك"فيرفع الله له شجرة"وحتى لا يجنح خيالك إلى شجرة أهل الأرض أو إلى شجر الدنيا فكن على يقين بأن ساق كل شجرة في الجنة ، ليس من الخشب ، وإنما من الذهب نعم"يرفع الله له شجرة ، فيقول العبد: أي رب أدنني قربني من هذه الشجرة لأستظل بظلها وأشرب من مائها فيقول الرب جل وعلا: فهل لو أدنيتك منها تسألني غيرها فيقول: لا وعزتك لا أسألك غيرها فيدنيه الله منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها"قال الحبيب:"ثم يرفع الله له شجرة ثانية هي أحسن من الأولى فيسكت العبد ما شاء الله له أن يسكت ثم يقول: أي رب أدنني من هذه الشجرة فيقول الله جل وعلا: ألم تعط العهود والمواثيق ألا تسألني غير الذي سألت ؟ فيقول: وعزتك لا أسألك غيرها فيقربه الحق جل وعلا منها"يقول الحبيب:"ثم يرفع الله له شجرة على باب الجنة هي أحسن من الأوليين"قال الصادق:"فيقول العبد أي رب أدنني من هذه الشجرة"فيقول الله جل وعلا ( يقول الحبيب: وربه يعذره ، لأنه يرى ما لا يصبر عليه ) فيقول الله: ألم تعط العهود والمواثيق ألا تسأل غير الذي سألت فيقول: وعزتك لا أسألك غيرها فيدنيه الله منها فإذا اقترب منها وهي على باب الجنة ونظر إلى ما أعد الله فيها لأوليائه من النعيم المقيم سكت العبد ما شاء له أن يسكت ثم قال: أي رب أدخلني الجنة فيقول الرب الكريم: عبدي ما الذي يرضيك مني ؟ أترضي أن يكون ملكك في الجنة كملك ملك من ملوك الدنيا
وهنا يضحك ابن مسعود ويسأل الصحابة: لما لا تسألوني: مم أضحك ؟ قالوا: مما تضحك يا ابن مسعود"قال: أضحك لضحك رسول الله فما حدث بذلك ضحك فسألناه: مما تضحك يا رسول الله ؟ قال: أضحك لضحك رب العزة (1) ."
لا تعطل ولا تكيف ولا تمثل فكل ما دار ببالك فالله بخلاف ذلك ( كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الشورى/11) أضحك لضحك رب العزة حينما يقول الرب للعبد:"أترضى أن يكون ملكك في الجنة كملك ملك من ملوك الدنيا فيقول العبد للرب الكريم: أتهزؤ بي وأنت رب العالمين ؟ فيضحك الرب من عبده ويقول: أنا لا أهزؤ بك ولكني على ما أشاء قادر"
هذا آخر رجل يدخل الجنة فما هي أدنى منزلة في الجنة ؟ الحديث رواه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة أن نبينا قال:"سأل موسى بن عمران ربه جل وعلا: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة ؟ قال الرب جل وعلا لموسى: ذاك رجل يجيء بعدما دخل الناس الجنة ونزلوا منازلهم وأخذوا أخذاتهم"فيقول له الرب الكريم:"أدخل الجنة فينطلق ثم يرجع إلى الله فيقول: يا رب لقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم - يعنى لا يجد له مكانا بزعمه - لقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم"فيقول الكريم جل وعلا:"أترضى أن يكون ملكك في الجنة كملك ملك من ملوك الدنيا فيقول العبد: رضيت يا رب فيقول الرب: لك ذلك وفقط ؟ لا لك ذلك _ أي لك ملك ملك من ملوك الدنيا _ لك ذلك في الجنة ومثله - أي ضعفه - ومثله ومثله ومثله ومثله فيقول العبد في المرة الخامسة وربه يقول ومثله ومثله ومثله ومثله ومثله يقول العبد: رضيت يا رب رضيت يا رب فيقول الرب الكريم:"لك ذلك وعشرة أمثاله معك ولك ما اشتهت نفسك وقرت عينك قال موسى: يا رب هذا أدنى أهل الجنة منزلة فما أعلاهم منزلة ؟ قال الرب الكريم: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر" (1) "
فتحت أبواب الجنة ، يا مسكين ، سابق اطرق هذا الباب ، ولا تمل حتى يفتح لك الملك حتى تلج الباب وإن ولجت الباب ورب الكعبة سعدت سعادة لا شقاء بعدها أبدا .