وآسفاه إن دعينا اليوم بين يدى رمضان إن دعينا اليوم إلى التوبة وما أجبنا واحسرتاه إن ذكرنا اليوم بالله وما أنبنا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8) سورة التحريم.
روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه- أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:"ينزل الله عز وجل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يمضى ثلث الليل الأول ويقول: أنا الملك جل وعلا، أنا الملك من ذا الذى يدعونى فأستجيب له؟! من ذا الذى يسألنى فأعطيه؟! من ذا الذى يستغفر له؟! فلا يزال كذلك حتى يضئ الفجر" ( [12] ) .
إن عكفت على المسلسلات أفق، أستيقظ، كفى غفلة الله ينادى عليك وأين أنت ما زلت قابعاً أمام التلفاز ما زلت عاكفاً على المسلسلات والأفلام، أنسيت من صام معك رمضان الماضى أين هو الآن بين يدى الرحمن.
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب
لم ينسه الملكان حين نسيته بل اثبتاه وانت لاه تلعب
والروح منك وديعة أودعتها ستردها بالرغم منك وتسلب
وغرور دنياك التى تسعى لها دار حقيقتها متاع يذهب
الليل فاعلم والنهار كلاهما أنفاسنا فيهما تعد وتحسب
كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (26،32) سورة القيامة. وبذلك يفتح سجلك ويفتح كتابك فإذا به لا صدق ولا صلى ولكنه كذب وتولى، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال سبحانه: حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (99، 100) سورة المؤمنون.
لماذا (لَعَلِّي) - سبحان الله- واثق أنه هل سيعمل صالحا أم لا مع أنه يتمنى الرجعة والعودة"قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا". غير واثق من نفسه غير متأكد أن كان سيعمل صالحا أم لا، يأتى الجواب:"كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ"لا يجيبها الله لا يسمعها الله بمعنى الإجابة حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (99، 100) سورة المؤمنون.
فهيا أيها الحبيب، يا أيها العاقل، الله سبحانه وتعالى ينادى علينا كل ليلة ليتوب العصاة من أمثالى، وفى صحيح مسلم من حديث أبى موسى أنه قال:"إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" ( [13] )
وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة- رضى الله عنه- أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى في الحديث القدسى: أنا عند ظن عبدى بى، وأنا معه إذا ذكرنى- فاذكر الله بذكرك الله سبحانه- وأنا معه إذا ذكرنى، فإن ذكرنى في نفسه ذكرته في نفسى، وإن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب منى شبرا تقربت منه ذراعا، وإن تقرب على ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتانى يمشى أتيته هرولة" ( [14] ) "
وفى الصحيحين من حديث أنس - رضى الله عنه-"الله أشد فرحا بتوبة عبده إليه حين يتوب من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه راحلته وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدى وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح" ( [15] ) .
فرح الله إن تبت إليه أعظم من فرح هذا العبد بعودة دابته إليه.
أقبل أيها اللاهى، أقبل أيها العاصى مهما كان ذنبك فعفو الله أعظم، مهما كان جرمك فكرم الله أوسع عد إليه قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) سورة الزمر.
قال تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) سورة النساء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - والحديث رواه البخارى من حديث عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- يقول: قدم على رسول الله سبى، فإذا امرأة تبحث عن ولدها فلما رأت هذا الولد أخذته فألصقته فنظر النبى صلى الله عليه وسلم إلى هذا المنظر الحنون وقال لأصحابه:"أترون هذه طارحة ولدها في النار؟"هل ستطرح هذه الأم التى كانت تبحث بهذا الحب والشفقة عن ولدها ثم ألصقته ببطنها وصدرها فأرضعته، هل تطرح هذه الأم ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله اسمع ماذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم قال:"والله الله أرحم بعباده من هذه الأم بولدها" ( [16] ) .
من ذلك أيضاً ما قاله أحد السلف أنه قال يوما لربه: اللهم أنك تعلم أن أمى هى أرحم الناس بى وأنا أعلم أنك أرحم بى من أمى، وأمى لا ترضى لى الهلاك أفترضاه لى أنت وأنت أرحم الراحمين، أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله، للله أرحم بعباده من هذه الأم بولدها فعد إلى الله، فالتوبة تجب ما قبلها.
ومن شروط التوبة: أن تندم على ما مضى، فالندم هو ركن التوبة الأعظم وأن تقلع عن جميع الذنوب والمعاصى، وأن تداوم على العمل الصالح، وأن ترد حقوق العباد إلى العباد قبل أن يأتى يوم لا درهم فيه ولا دينار، وإنما أخذ من الحسنات ورد له من السيئات: أتدرون من المفلس؟"والحديث رواه مسلم من حديث أبى هريرة - رضى الله عنه- قالوا- المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال:"ولكن المفلس من أمتى من يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة وحج، ويأتى وقد شتم هذا وقذف هذا وسفك دم هذا وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى عليه أخذ من سيئات من ظلمهم ثم طرحت عليه فطرح في النار" ( [17] ) اللهم نجنا من النار."
أيها الأفاضل التوبة إلى الله خير بداية وخير نهاية، فالمقبل على الله بهمة عالية.
وعلى قدر أهل العزم تأتى العزائم.. وتأتى على قدر الكرام المكارم
تعظم في عين الصغير صغارها تصغر في عين العظيم العظائم
فلنقبل على هذا الموسم موسم الطاعة بهمة عالية.
وهذا هو محورنا الرابع والأخير والمهم من عناصر اللقاء: موسم الطاعة إذا أراد أحدنا أن يقيم مشروعاً تجارياً للدنيا، فإنه يعد لهذا المشروع قبل أن يشرع فيه دراسة جدوى فهل وضعت دراسة جدوى لموسم الطاعة، هل وضعت لنفسك برنامجاً نهارياً ليلياً في رمضان، هل جلست لتخطط، فهذا موسم طاعة ليس موسماً للطعام والشراب، فنحن نأكل في رمضان الأرطال ونشرب فيه الأسطال، وندعى أننا أبطال حولنا الشهر إلى طعام وشراب ونوم إلا من رحم ربى، اللهم اجعلنا ممن رحمت.