فهرس الكتاب

الصفحة 9974 من 9994

وفي الحديث الذي ذكرناه الدليل: يا رسول الله مالك عن فلان والله إني لأَراه مؤمناً ؟ قال:"أو مسلما" (1) ففرق النبي بين الإيمان والإسلام يعلق الحافظ ابن حجر كما ذكرت ويقول: وفي هذا الحديث التفرقة من الفوائد بين مرتبتي الإسلام والإيمان .

ويوضح ذلك جلياً الحديث الذي تحفظونه جميعاً الذي رواه مسلم وغيره من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه أحد منا فجاء حتى جلس إلى النبي فأسند ركبتيه على ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه ، ثم قال: يا محمد ما الإسلام ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام:"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة ، وتصوم رمضان ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا"قال: صدقت ، يقول عمر: فعجبنا له يسأله ويصدقه ثم قال: أخبرني عن الإيمان .

إذن هنا فرق بين الإسلام والإيمان قال:"أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره" (2) إذن فرق النبي هنا في هذا الحديث بين مرتبة الإسلام ومرتبة الإيمان .

وهكذا إذا اقترن الإسلام بالإيمان فيراد بالإسلام حينئذ أعمال الظاهر من صلاة وزكاة وحج ، ويراد بالإيمان حينئذ أعمال الباطن من حب وخشية وإنابة وتفويض ورجاء وتوكل واستغاثة واستعانة إلى آخر أعمال القلب إن الإسلام له مرتبتان مرتبة الإيمان عرفنا أن الإيمان لغة هو التصديق ما الدليل (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا ) أي بصدق إذن الإيمان لغة التصديق انتبه جيداً ، لأنك قد ترى هذا التأصيل الشرعي موجوداً في بعض كتب العقيدة ترى تأصيلاً شرعياً للإيمان ينبني فقط على التأصيل اللغوي لمعنى الإيمان فحسب ، هذا قصور شديد لا ينبغي أبدا أن يقال: إن الإيمان لغة التصديق فقط لكن اصطلاحاً قول وتصديق وعمل

انتبهوا لهذا ، فقد ترى هذا موجوداً في كثير من الكتب التي تتحدث عن العقيدة وإلا لوقعنا فيما وقع فيه المرجئة والكرامية وغيرهم من الفرق التي بينا انحرافها في أول كتاب الإيمان .

فالمرجئة أخرت العمل عن الإيمان وجعلت الإيمان هو التصديق فقط ، وهذا قصور شديد ، ولا يصح هذا أبدا ، ويخالف معتقد أهل السنة ، فالإيمان لغة: التصديق ، لكن اصطلاحاً: القول باللسان ، والتصديق بالقلب ، والعمل بالجوارح والأركان ، وكل الأبواب التي يترجمها البخاري في كتاب الإيمان يثبت بها هذه الحقيقة ويبين بها معتقد أهل السنة باب حب الأنصار من الإيمان ، باب الصلاة من الإيمان .

وهكذا في جميع الأبواب التي شرحناها يترجم فيها البخاري ، هذا الأصل وهذا المعتقد أن الأعمال من الإيمان ، ولا ينبغي أبدا أن تخرج أو تؤجل عن مسمى الإيمان كما هو معتقد المرجئة فالإيمان لغة هو التصديق واصطلاحاً هو قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالجوارح والأركان وله حالتان إن أفرد وإن قرن بالإسلام .

الحالة الأولى: إن ذكر لفظ الإيمان وحده مفردا أي دون أن يقترن بلفظ الإسلام فحينئذ يراد بالإيمان ، أيضا الدين كله إذاً يساوي مرتبة الإسلام بالضبط فإن ذكر لفظ الإيمان وجده مفرداً من غير أن يقترن بلفظ الإسلام فإن الإيمان في هذه الحالة يساوي الإسلام في مرتبته الأولى أي يراد به الدين كله من الاعتقادات والأقوال والأعمال قال الله عز وجل: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات/15) ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ) انظر هنا ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ) كل هذا إيمان ( وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ ) بذل المال عمل ظاهر أم عمل باطن؟ عمل ظاهر أدخلته الآية في مسمى الإيمان ، لأن الإيمان يراد به هنا الدين كله انتبهتم يا إخواننا ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (الحجرات/15) إذا هنا الإيمان يراد به الدين كله وكقوله تعالى: ( الم(1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ) (البقرة /1،2،3)

هذا عمل باطن أم ظاهر ؟ دخل في مسمى الإيمان ، لأن الإيمان يراد به هنا الدين كله .

وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: لما قدم وفد عبد القيس على النبي في عام الوفود أمرهم النبي بالإيمان بالله وحده ثم قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام:"أتدرون ما الإيمان ؟"قالوا: الله ورسوله أعلم ، قال:"شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وأن تؤدوا الخمس من المغنم"الأركان التي دخلت في مسمى الإيمان هذا شئ جديد ، كلنا نحفظ أركان الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره" (1) ."

الإيمان هنا يراد به الدين كله فيندرج تحت مسمى الإيمان في هذه المرتبة مسمى الإسلام .

وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه قال:"الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول: لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" (2) هذا المعنى هو الذي قصده سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل ، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان ، حتى إن الشافعي رحمه الله نُقل عنه أنه نقل على هذا إجماع الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم .

وأنكر السلف عل من أخرج الأعمال من الإيمان إنكاراً شديداً وكتب عمر ابن عبد العزيز إلى الأمصار يقول:"أما بعد .. فإن الإيمان فرائض وشرائع - والمراد بالإيمان هنا الدين كله - فإن الإيمان فرائض وشرائع فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان" ( [5] )

وهذا المعنى هو الذي أراد البخاري - رحمه الله تعالى - كما ذكرت أن يثبته في كتابه في كتاب الإيمان وعليها بوب أبواب كتاب الإيمان كلها: باب أمور الإيمان باب الصلاة من الإيمان ، باب الجهاد من الإيمان ، باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم من الإيمان ، باب الحياء من الإيمان ، باب حب الأنصار من الإيمان ، باب اتباع الجنائز من الإيمان ، فأدخل هذه الأعمال في مسمى الإيمان ليبين معتقد أهل السنة في أن الإيمان قول وتصديق وعمل .

إذن الحالة الأولى للإيمان: إن ذكر مفردا دون أن يقترن بلفظ الإسلام ، فإن الإيمان في هذه الحالة يراد به الدين كله .

الحالة الثانية: وهي أن يذكر الإيمان مقترناً بالإسلام وحينئذ كما ذكرنا يراد بالإيمان أعمال الباطن ، ويراد بالإسلام أعمال الظاهر نفس الكلام الذي ذكرناه في المرتبة الأولى للإسلام ، إذا ذكر لفظ الإيمان مع لفظ الإسلام في آن فحينئذ نفرق بين الإسلام والإيمان ، فالإيمان حينئذ يراد به اعتقاد القلب ، اعتقاد الباطن ، والإسلام يراد به حينئذ أعمال الظاهر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت