هذا هو الباب الثانى والعشرين من أبواب كتاب الإيمان وفى نفس الباب أيضاً ترجم الإمام البخارى هذه الترجمة، فقال باب:" {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا } (9) سورة الحجرات فسماهم الله المؤمنين أى سمى المقتتلين المؤمنين وقال: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك ، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب ويونس عن الحسن عن الأحنف بن قيس قالا: ذهبت لأنصر هذا الرجل- أى علياً- - فلقينى أبو بكرة- صحابى جليل- فقال: أين تريد فقلت: أنصر هذا الرجل - أى علياً- - قال: ارجع فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". فقلت: يا رسول، هذا القاتل فما بال المقتول، قال:"إنه كان حريصاً على قتل صاحبه". ( [2] )
باب المعاصى من أمر الجاهلية: هى مرحلة ما قبل افسلام إذا أطلق لفظ الجاهلية فالمراد به المرحلة التى سبقت افسلام وقد ذكر القرآن الجاهلية بأوصافها في أربعة صفات: حكم الجاهلية، وظن الجاهلية، وحمية الجاهلية، وتبرج الجاهلية، فكل من حاد عن حكم الإسلام، وذهب إلى حكم الجاهلية فهو جاهلى، وكل من ظن ظن السوء بالله تعالى فقد ظن الجاهليى فهو جاهلى، ومن تبرجت التبرج الجاهلى فهى جاهلية إلى آخره
أى بتصرفها هذا.
فالجاهلية أيها الأحبة وإن كانت مرحلة زمنية سبقت الإسلام فلها صفات ولها صور باقية لكل من فعل فعلاً من أمور الجاهلية يقال له: إنك امرؤ فيك جاهلية ولكن لا ينبغى أن نحكم عليه بالكفر الأكبر، وأن نخرجه من الإسلام المخرج من الملة، لفعله فعلاً من أمور الجاهلية إلا إذا أقيمت عليه الحجة الرسالية الخاصة، ورفع عنه الجهل والتأويل والشبهة ، فإن أصر بعد ذلك على أمر من أمور الجاهلية معتقداً له، محولاً لهذا الأمر إلى عمل وإلى واقع فحينذ يحكم عليه بالتكفير، لكن لا ينبغى أن يفعل ذلك إلا أهل العلم ممن يفرقون بين الحجة العامة والحجة الخاصة، والمناط العام والمناط الخاص، والدليل العام والدليل الخاص إلى آخره. لا ينبغى أن يتسرع طالب علم صغير لا يحسن مثل هذه المسائل الكبيرة/ ليسقط الحكم بالتكفير على معين من الناس.
إذن الجاهلية- أيها الأحبة- هى ما قبل الإسلام وقد يطلق في شخص معين أى في حال جاهليته يعنى يقال لامرأة متبرجة: إنك امرأة فيك جاهلية لتبرجها تبرج الجاهلية رجل يحيد عن منهج الله جل وعلا في مسألة أو غيرها يقال له:"إنك امرؤ فيك جاهلية"، رجل يعير رجلاً آخر بنسبة أو بأبيه أو بامه يقال له كما قال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم لأبى ذر:"إنك امرؤ فيك جاهلية.." ( [3] ) رجل يظن ظن السوء بالمنهج أو بالشريعة بجهل لا
باعتقاد فلو اعتقد فهذه مسألة كبيرة قد تخرجه من الملة من أوسع الأبواب، لكن بجهل أو بتأويل أو بشبهة يقال له حينئذ: إنك امرؤ فيك جاهلية. فباب المعاصى من الجاهلية ، فالجاهلية هى ما قبل الإسلام قال البخارى: ولا يكفر صاحبها إلا بارتكاب الشرك، فالشرك ذنب لا يغفره الله عز وجل، لصاحبه لكن لو أتى الإنسان فعلا من أفعال الجاهلية، سواء كانت من الكبائر أو من الصغائر، فالله عز وجل يغفر له إن تاب العبد إليه عز وجل لكن الشرك ذنب لا يغفر لقوله سبحانه: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا } (116) سورة النساء .
الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى يقول في كلام نفيس: ومحصل الترجمة أنه- أى البخارى- لما أطلق أن المعاصى يطلق عليها الكفر كما ذكرت في المحاضرة الماضية حينما قال: كفر دون كفر العشير ألا وهو كفران المرأة إحسان الزوج، وذكر هذا تحت الكفر لكنه الكفر الذى لا يخرج من الملة، فالحافظ ابن حجر يقول: إن البخارى لما أطلق أن المعاصى يطلق عليها الكفر مجازا على إزادة كفر النعمة لا كفر الجحود أراد أن يبين أنه كفر لا يخرج عن الملة خلافاً للخوارج أى الذين يكفرون بالذنوب، ونص القرآن يرد عليهم وهو قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا } وَيَغْفِرُ مَا دُونَ يعنى من الكبائر والصغائر التى تلى الشرك، يبقى محصل الترجمة أنه لما قدم أن المعاصى يطلق عليها الكفر مجازاً على إرادة كفر النعمة لا كفر الجحد أراد أن يبين أنه كفر لا يخرج عن الملة خلافاً للخوارج ، فأنتم تعلمون كما فصلت قبل ذلك أن الخوارج يكفرون بالكبائر كبائر الذنوب يعنى من أتى بكبيرة من كبائر الذنوب فهو كافر عند الخوارج والمعتزلة قالوا: هو في منزلة بين المنزلتين لكن أهل السنة- رحمهم الله تعالى- لا يكفرون أحداً من أهل الملة أو أهل القبلة بذنب إلا إذا استحله، لكن إن فعل الذنب وإن كان كبيراً، ويتاب إلى الله عز وجل، يتوب الله سبحانه وتعالى عليه فإن أهل السنة لا يكفرون بكبائر الذنوب لقول الله عز وجل: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} .
قال الكرمانى في استدلاله بقول النبى صلى الله عليه وسلم لأبى ذر يقول لأبى ذر:"إنك امرؤ فيك جاهلية".. حينما عبر رجلاً بأمة ، ووجه الاستدلال يقول: وجه استدلال البخارى لحديث أبى ذر فيه نظر، لأن التعبير بالأم ليس كبيرة وهم لا يكفرون بالصغائر قلت- والقائل ابن حجر- استدلاله عليه من الآية ظاهر، ولذلك اقتصر عليه ابن بطال، وأما قصة أبى ذر فغنما ذكرت، ليستدل بها على أن من بقيت فيه خصلة من خصال الجاهلية سوى الشرك لا يخرج عن الإيمان بها سواء كانت الخصلة من الصغائر أم من الكبائر وهذا واضح.
فالإمام البخارى استدل بحديث أبى ذر على أن الرجل إن كانت فيه خصلة من خصال الجاهلية سواء كانت هذه الخصلة من الكبائر أو من الصغائر فلا تخرج من الملة وإنما يقال له: إنك امرؤ فيك جاهلية ودعونى أفسر وجه الاستدلال به في هذا الباب.
وأكرر واقول أن ما استدل به البخارى ، ليبين مذهبة ومذهب أهل السنة والجماعة في أن الرجل لو ارتكب كبيرة أو صغيرة من أعمال الجاهلية ما دامت هذه الكبيرة أو الصغيرة تأتى بعد الشرك بالله فإنها لا تخرج من الملة ، وإنما هو كفر دون كفر.
أبو ذر- - كما ذكرت بعض الروايات عير بلالا. وبلال كانت أمة أعجمية كانت سوداء اللون ، وأبو ذر من الأشراف من قبيلة مشهورة عظيمة هى قبيلة غفار قبيلة لها مكانة في أرض الجزيرة بين العرب فحصل خلاف أو شجار بينه وبين بلال- رضى الله عنهما- فسب أبو ذر بلال، وأود أن أبين هنا أن العبد عبد والرب رب، ولو كان هذا العبد من أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم بشرية بشرية يحدث خلاف وشجار يصل إلى حد السب بل إلى حد القتال، وأنتم تعلمون أن أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم قد حدث بينهم قتلاً ضارياً في الفتنة العاصفة بعد مقتل عثمان.