فهرس الكتاب

الصفحة 9948 من 9994

ولقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (الحجرات/1) لكن هل يجب علينا أو ينبغي علينا أن نتواكل أو نتكاسل أو نرفض العلم والعمل أو أن نستسلم بدعوى أننا ننتظر المهدي ؟ هذا كلام باطل لا يقول به عاقل فضلا عن عالم ، وهذا ما نتعرف عليه في العنصر الأخير: الحقيقة بين العلم والعمل والأمل ، ذلك بعد جلسة الاستراحة .

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين .

وبعد .

فيا أيها الأحبة الكرام نظرا للواقع الأليم الذي تحياه أمتنا ونظرا لأن جيوش أعدائنا تحيط بنا الآن براً وبحراً وجواً ، والأمة مقبلة على أيام صعبة ، أرى أن كثيرا من المسلمين الآن يتعلقون بالمهدي - عليه السلام - تعلق المتواكل المسلوب الإرادة ويتوقع كثير منا أنه ينبغي لنا أن نترك العلم والعمل والجهاد والبذل والعطاء والحركة والسعي بدعوى أن المهدي قد اقترب زمانه وأوانه إذا فلا علم ولا عمل .

سخف من القوم وهراء ، وإلا فإن الذي أخبر بكل هذه الأحاديث كما ذكرت هو رسول الله ، وهو يعلم أن ذلك سيقع علم اليقين كان عليه أن ينتظر وأن يجلس ولا يسفك الدماء في الجهاد في سبيل الله ، وألا يمزق الأشلاء بدعوى أنه ينتظر المهدي الذي سينصر الله عز وجل على يديه الدين في آخر الزمان وغير ذلك ، لكنه ما فعل ذلك أبدا بل جاهد وقاتل وقدم روحه ودمه ونفسه وماله وكل ما يملك لنصرة دينه جل وعلا ، فقد تعبدنا الله سبحانه وتعالى بهذا الدين ، ويجب على الأمة الآن أن تعي أن ما وقع لها وقع وفق سنن ربانية ، ولا تنتصر إلا وفق سنن ربانية ، ولا تتبدل ولا تتغير ، مرفوض أن نعلق كل أخطائنا وكل تقصيرنا وكل هزائمنا بعدونا الخارجي وأن نبرر لأنفسنا هذا التقصير ، وهذا الذي نحن فيه مرفوض بكل المقاييس . قال الله جل وعلا: ( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُم ) (آل عمران/165) .

فيجب على الأمة أن تعلم عن الله وأن تعلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تعلم عن فقه المرحلة التي تحياها وفقه المرحلة المقبلة ، ولن تتعلم الأمة ذلك من الصحف والجرائد والمجلات ووكالات الأنباء العالمية والمحلية وإنما يجب على الأمة في هذه المرحلة الحرجة أن ترجع إلى كتاب الله وإلى كلام الصادق رسول الله ليعلم الحق الذي لا حق بعده .

لابد أن ترجع إلى العلماء الربانيين المتحققين بالعلم الشرعي الذين يقولون في كل نازلة وفي كل حادثة وفي كل أزمة: قال الرب العلي قال الصادق النبي ، فلابد أن نتعلم الآن عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن يفرغ كل مسلم مهما كان وضعه ومنصبه وقتا من وقته ليتعلم فيه عن ربه وعن نبيه ، ثم علم بلا عمل لا خير فيه ولا قيمة له ولا كرامة بل إن القول إن خالف العمل بذرت النفاق في القلب ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ(2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ ) (الصف/2،3) .

قال جل وعلا: ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) (البقرة/44) وقال كما في الصحيحين من حديث أسامة - رضي الله عنه - وعن أبيه:"يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه - أي أمعاؤه - فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا فيجتمع إليه أهل النار ويقولون: يا فلان ما لك ألم تكن تأمر وتنهى عن المنكر ؟ فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه" (1)

ولله در ابن السماك إذ يقول: كم من مذكر بالله وهو ناس لله ، وكم من مخوف من الله وهو جريء على الله ، وكم من تال لكتاب الله وهو منسلخ عن آيات الله .

نسأل الله أن يرزقنا الصدق في القول والعمل ، فلابد من العمل في كل الميادين لابد من العطاء والبذل في كل الميادين لابد من الإعداد الإيماني الإعداد العلمي والعملي والسياسي والاقتصادي والعسكري والروحي والتربوي والأخلاقي هكذا أمرنا ربنا فقال: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) (لأنفال/60) . وقال: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) (التغابن/16)

فلا ينبغي على الإطلاق أن نبرر أخطاؤنا بالتعليق على عدونا الخارجي فالأمة لن تهزم أبدا . اسمع ماذا أقول: الأمة لن تهزم أبدا لو اجتمع عليها كل أعدائها في الخارج ، لن تهزم بمعنى لن يستأصل العدو الخارجي الأمة من الوجود لن يبيد خضراءها لن يزيل ملكها بالكلية ، ولكن قد تهزم الأمة هنا أو قد تهزم هنالك ، لكن لو اجتمع أهل الأرض من أهل الكفر ليستأصلوا شأفة الأمة لن يستطيعوا .

لن أقول ذلك من عند نفسي أيضا إنما هو كلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى روى مسلم في صحيحه من حديث ثوبان - رضي الله عنه - أنه قال:"إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن من أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها ، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ، وإني سألت ربي عز وجل لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم - أي ملكهم وعزهم - وأن الله تعالى أوحى إلى وقال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ، وإني أعطيتك لأمتك ألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها" ( [1] )

لك الحمد يا ربنا ، ولو اجتمعت جيوش أمريكا وبريطانيا وجيوش الأرض لتستأصل شأفة الأمة فلن يتمكنوا من ذلك بموعدة من الله للصادق رسول الله:"وإني أعطيتك لأمتك ألا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ، ويسبي بعضهم بعضا رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (2889) . ( [2] ) "

وفي رواية مالك في الموطأ والترمذي والنسائي في السنن من حديث خباب بن الأرت بسند صحيح قال: صلى بنا رسول الله صلاة فأطالها فقلنا: يا رسول الله صليت صلاة لم تصلها من قبل ؟ قال:"أجل إنها صلاة رغبة ورهبة وإني سألت ربي عز وجل ثلاثة فأعطاني اثنين ومنعني واحدة ، سألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها ، وسألت ربي ألا يسلط على أمتي عدوا من سوى أنفسهم فأعطانيها ، وسألت ربي ألا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها" ( [3] )

فقد ذاقت الأمة بأس بعضها بعضا وقد رأيت ما حدث للأمة في القمة العربية وفي القمة الإسلامية فصدق قول سيد البشرية الذي لا ينطق عن الهوي ، فيجب علينا أن نعمل ألا نتكاسل ألا نتواكل ألا نتعلق بهذه الحقائق تعلق المهزوم المسلوب الإرادة ، فالله جل وعلا وعد أن ينصر من نصره ، وعد أن يمكن من آمن به وحقق دينه في الأرض ( وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُه ) (الحج/40) من ينصره ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) (النور/55)

فلابد من العمل الصالح في كل ميدان ولابد من تجديد الإيمان ، ثم لا ينبغي أن نتعلق بالأمل تعلق الذين لا يفهمون مراد الله ورسوله ، فأمل المؤمنين يدفعهم إلى العمل ، وأمل البطالين يورثهم الكسل يورثهم النفاق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت