فهرس الكتاب

الصفحة 9929 من 9994

وظل هذا المجتمع الكريم أيها الفضلاء يرفل في ثوب الإيمان والأمان والعزة والكرامة حتى ابتعد رويداً رويداً عن أصل عزه ومعين كرامته، انحرف بعيداً بعيداً عن كتاب اله وعن هدى المصطفى صلى الله عليه وسلم وراح ليلهث وراء الشرق الملحد تارة ووراء الغرب الكافر تارة أخرى، وحكم القانون الوضعى الأعمى يوم أن ابتعد عن منهج الرب العلى ومن هنا بل ومن هنا فقط ضاعت حقوق كثيرة وانتهكت أعراض وحرمات بصورة فظيعة وخطيرة مع أن النبى صلى الله عليه وسلم قد رأسى قواعد المجتمع المسلم، وشدد على حرماته تشديداً عظيماً ففى الصحيحين من حديث ابن عباس وأبى بكر رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر في منى وقال:.. أتدرون أى يوم هذا؟ .. فرد الصحابة رضوان الله عليهم .. في أدب جم: الله ورسوله أعلم .. وهل يشك أحدكم في أن الصحابة لا يعلمون أنهم في يوم النحر لكنه الأدب مع المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول لهم المصطفى صلى الله عليه وسلم: أى يوم هذا؟ .. قالوا: الله ورسوله أعلم قال الحبيب: أليس يوم النحر؟ .. قالوا: بلى فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: أى شهر هذا؟ .. فقال الصحابة: الله ورسوله أعلم فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: أليس ذا الحجة؟ .. قالوا: بلى فسألهم المصطفى صلى الله عليه وسلم: أى بلد هذا؟ .. قالوا: الله ورسوله أعلم فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: أليس البلد الحرام؟ .. قالوا: بلى قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: إن دماءكم وأولادكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا.. ثم قال: ألا هل بلغت اللهم أشهد .. وأعادها مراراً بأبى هو وأمى ثم التفت إلى الصحابة وقال: فليبلغ الشاهد الغائب .. ثم قال: لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض.. ( [1] )

أيها الأحبة إن موضوع الدماء موضوع جليل، وموضوع الأعراض وحرمة الأموال، وقد أجملت هذا الموضوع إجمالا في خطبة عيد الأضحى بإستاد المنصورة، وأود اليوم تلبية لرغبة أحبابى أن أفصل هذا الموضوع تفصيلاً لجلاله وخطره في الدنيا والآخرة.

أحبتى في الله .. إن الله تعالى قد كرم الإنسان تكريماً عظيماً، خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وأنزل له الكتب وأرسل له الرسل ووضع له شريعة محكمة تضمن له الحقوق والسعادة في الدنيا والآخرة، وإن أول وأكبر وأعظم حق ضمنته الشريعة الإسلامية للإنسان في الأرض هو حق الحياة، فإن الله وحده هو خالق الحياة وهو واهب الحياة، ولا ينبغى لأحد البتة أن يسلب هذه الحياة إلا واهبها وخالقها وإلا بأمر الله جل وعلا في نطاق الحدود الذى شرعها، ولا يسلب الروح إلا واهب الحياة وهو وحده الذى يعلم من خلق وهو العليم الخبير، فسفك الدماء جريمة بشعة تأتى مباشرة بعد جريمة الشرك بالله، وانا أتحدى أن تفتح صفحة من الجرائد في أى جريدة من جرائدنا اليومية إلا وسينقلب إليك بصرك خاسئاً وهو حسير، وسينخلع قلبك أمام جرائم القتل التى انتشرت في مجتمعات المسلمين بل وفى الأرض كلها إما بدافع السرقة وإما بدافع الثأر البغيض الأعمى وإما بدافع انتهاك الأعراض أو الاغتصاب ولا حول ولا قوة إلا بالله، انتشرت جريمة سفك الدماء بصورة بشعة، وأصبحت حرمة الدماء حثيرة في حسن كثير ممن ينتسبون إلى الإسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.

تدبروا كلام الله في كتابه الكريم: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (93) سورة النساء وفى صحيح البخارى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: .. لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراماً ( [2] ) .. وكان ابن عمر رضى الله عنهما يقول: إن من ورطات الأمور التى التى لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله ( [3] ) وفى الصحيح الذى رواه أحمد وأبو داود والنسائى والحاكم من حديث معاوية أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:"كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركاً أو قتل مؤمناً متعمداً" ( [4] ) . وفى الحديث الصحيح الذى رواه النسائى من حديث بريدة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:"قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا" ( [5] ) .. تعرفوا

على حرمة الدماء بل من أعجب الأحاديث الصحيحة التى قرأتها في هذا الباب ما رواه النسائى والبخارى في التاريخ الكبير وصحح الحديث الألبانى في صحيح الجامع من حديث عمرو بن الحمق الخزاعى أن الحبيب النبى صلى الله عليه وسلم قال:"من أمن رجلا على دمه فقتله فأنا برئ من القاتل وإن كان المقتول كافرا..".

حرمة الدماء عظيمة عند رب الأرض والسماء فمن أجل ذلك جعل الدماء هى أول شئ يقضى فيها الله بين العباد يوم القيامة كما في الصحيحين عن أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة في الدماء" ( [6] ) إذا ما وضعت الموازين وتطايرت الصحف وغرق الناس في عرقهم على قدر أعمالهم"

بجهنم لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها ينادى على القاتل السفاح المجرم الذى سفك الدماء بغير حل، فيخلع النداء قلبه فترتعد فرائصه وتضطرب جوارحه وهو يمشى بين الخلائق ليقف بين يدى الملك الحق جل جلاله ، وينادى على كل قتيل قتله هذا المجرم السفاح فيتعلق كل قتيل بالقاتل وأعناقهم تسيل دماً ويتعلقون به وهو يصرخ ويستغيث بين يدى الملك الحق ويقول: يا رب سل هذا فيم قتلنى؟ فماذا سيكون جوابك أيها القاتل؟ ماذا سيكون جوابك يا من سفكت الدم بغير حل؟ ماذا سيكون قولك بين يدى الله؟

تذكر وقوفك يوم العرض عرياناً مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا

والنار تلهب من غيظ ومن حنق على العصاة ورب العرش غضبانا

اقرأ كتابك ياعبد على مهل فهل ترى فيه حرفاً غير ما كانا

فلما قرأت ولم تنكر قراءته أقررت إقرار من عرف الأشياء عرفانا

نادى الجليل خذوه يا ملائكتي وامضوا بعبد عصى للنار عطشانا

المشركون غداً في النار يلتهبوا والمؤمنون بدار الخلد سكانا

مثل لنفسك أيها المغرور ** يوم القيامة والسماء تمور

إذ كورت شمس النهار وأدنيت ** حتى على رأس العباد تسير

وإذا النجوم تساقطت وتناثرت ** وتبدلت بعد الضياء كدور

وإذا البحار تفجرت من خوفها ** ورأيتها مثل الجحيم تفور

وإذا الجبال تقلعت بأصولها ** فرأيتها مثل السحاب تسير

وإذا العشار تعطلت وتخربت ** خلت الديار فما بها معمور

وإذا الوحوش لدى القيامة احشرت ** وتقول للأملاك أين تسير

وإذا تقاة المسلمين تزوجت ** من حور عين زانهن شعور

وإذا الموؤدة سئلت عن شأنها ** وبأي ذنب قتلها ميسور

وإذا الجليل طوى السماء بيمينه ** طي السجلِّ كتابه المنشور

وإذا الصحائف نشرت فتطايرت ** وتهتكت للمؤمنين ستور

وإذا السماء تكشطت عن أهله ا** ورأيت أفلاك السماء تدور

وإذا الجحيم تسعرت نيرانها فلها ** على أهل الذنوب زفير

وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت لفتى ** على طول البلاء صبور

وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى ** القصاص وقلبه مذعور

هذا بلا ذنب يخاف جنينه كيف ** المصر على الذنوب دهور؟!

ينادى على القاتل فإن أول شئ يقضى الله فيه بين العباد في الدماء ولا تعارض بين هذا الحديث وبين قول النبى صلى الله عليه وسلم: .. إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة ( [7] ) فالصلاة هى حق الله تعالى وأما الدماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت