يأتي هذا الشاب ليكمل فصول خديعته ، وخيانته الكبرى ، فيأتي بورقة ويُشهد عليها زميلين من زملائه المقربين ، ممن يعرفون علاقته المحرمة والمشبوهة ، يُشهد هذا الشاب زميليه على هذا العقد العرفي الباطل ليكون هو بدوره شاهداً لواحد منهما على عقد عرفي باطل جديد .
وأقول لكم أيها الأحبة: إن أي عقد زواج يباركه الولي - يعني والد الفتاة أو وليها - ويشهد عليه الشهود ويعلن للمجتمع الإسلامي فهو عقد شرعي صحيح وإن لم يوثق في وثيقة زواج رسمية عند مأذون شرعي ، وأي عقد زواج لا يباركه الولي وبدون إعلان وشهود فهو باطل وإن سجل في وثيقة زواج رسمية عند مأذون شرعي ، لأن وثيقة الزواج الرسمية ليست شرطاً في صحة العقد إنما هي من باب المصالح المرسلة التي يضمن من خلالها حقوق النساء في زمن خربت فيه الذمم ، وقل فيه أهل الأمانة !!
أما المحور الثاني: و هو سؤال مهم: هل يُقر عُرف الناس ذلك ؟!
الجواب: لا ورب الكعبة ، بل العرف يبطله ، لأن العرف عند علماء الأصول: هو ما تعارف عليه الناس في عاداتهم ومعاملاتهم ، وقد يقر الشرع عرفاً ، وقد لا يقر الشرع عرفاً ، بمعنى أن الشرع المطهر قد يحكم على عرف من أعراف الناس بالجواز ، وقد يحكم على عرف من أعراف الناس بالبطلان ، فالشرع قد يقر عرفاً وقد يبطل عرفاً آخر .
أما العرف المعتبر شرعاً: هو العرف الذي لا يخالف نصاً شرعياً أو قاعدة من قواعد الشريعة ، هذا هو العرف المعتبر في ميزان الشرع .
والسؤال: ائتوني برجل مسلم عاقل على وجه الأرض - لا في مصر بل في بلد أوروبي - يقول بأن المسلمين منذ زمن الوحي إلي هذا الزمان قد تعارفوا في تزويجهم لأبنائهم وبناتهم على هذه الصورة السرية الخبيثة !!
بمعنى أن تزوج البنت نفسها بدون إذن وليها وأن ينطلق الشاب أو الفتى ليتزوج بأي فتاة بدون علم الوالد أو بدون علم الأسرة .. هل تعارف الناس على هذه الزيجة الخبيثة والعلاقة المحرمة ؟!! التي تقوم على أساس من الغش والنفاق والخداع والخيانة ؟! خيانة من شاب وفتاة ، من شاب خان أسرته وأهله ومجتمعه بعد أن خان الله ورسوله ، ومن فتاة خانت أسرتها ومجتمعها بعد أن خانت الله ورسوله وإن توهم أحد من الشباب أنه قد تزوج زواجاً شرعياً صحيحاً ، فأنا أساله - وأرجو أن يصدق في الجواب: إن كنت تعتقد أنك تزوجت زواجاً شرعياً صحيحاً فلماذا أخفيته عن أهلك ؟! وعن أقرب الناس إليك ؟!! فالحلال لا يعرف السرية ولا يخشى الظهور .
ثم .. لماذا تتلصص و تبحث عن مكان خفي لا يراك فيه أحد من الناس لتخلو بفتاة أو بزميلة في الجامعة في شقة مفروشة أو في غرفة فندق مظلمة لتزني بدعوى الزواج ؟.
ثم .. ألا تشعر بالخيانة والنفاق والخداع وأنت تأخذ المصروف من والدك كل صباح بحجة الذهاب إلي الجامعة و أنت ذاهب إلي شقة مفروشة أو غرفة مظلمة لتمارس الدعارة
والزنى بدعوى الزواج ؟! ثم .. هل تقبل أنت أن يأخذ زميلك في الجامعة أختك إلي نفس الشقة المفروشة ليزنى بها بدعوى أنها زوجته وأنت وأسرتك لا تعلمون عن هذا الزواج شيئاً ؟!!
ثم .. هل تقبل بعد ذلك أن تخرج أبنتك أنت إلي الجامعة لترجع إليك بجنين في أحشائها بدعوى أنها تزوجت بزميلها في الجامعة ؟!! وأنت في البيت لا تعلم عن ذلك شيئاً ؟!
اصدق في الجواب .. وتذكر قول الله تعالى: بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة: 14 - 15] ولا تنس قول الله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء: 47] . وردد دوماً قول القائل:
يا هاتكاً حرم الرجال و تابعاً.. طرق الفساد فأنت غير مكرم
من يزني في قوم بألف درهم في قومه يزنى بربع الدرهم
إن الزنى دين إذا استقرضته كان الوفاء من أهل بيتك فاعلم
أأنت تباهي بالزنا فرحاً ؟ أأنت تعبث بالأعراض تيهاً ؟
فقال: بل ذاك شرعاً صار متبعاً كم تاه غيري به قبلي و كم باها !!
فقلنا: ألست تخاف الله منتقماً ؟! فقال في كبر: لا أعرف الله !!
ويح الشباب إذا الشيطان نازعهم على العقول فأوهاها وألغاها !!
قد علمتهم أفانين الخنا و سائل غشى بصائرها زيغ وأعماها !!
ومطربة ومطرب في المذياع لقنهم ألحان فحش وزكاها وغناها !!
ووالد غافل لا هي ومدرسة نظامها من نظام الدين أقصاها !!
لو أن لي قوة في أمتي ويداً ألزمت حواء مثواها ومأواها !!
كان لها بيت عزاً .. كان لها بيت ملكاً .. فيه ترى السلطان و الجاه
فقوضت بيدها عرشها وغدت رعية وذئاب الأرض ترعاها !!
هذه الحضارة دين لا أدين به إني كفرت بمعناها ومبناها !!
لا يقر عرف العقلاء ولا عرف المسلمين ذلك ، ولم يعرف المسلمين هذه العلاقة المحرمة الخبيثة من زمن الوحي إلي أن صرنا في زمن الفتن . الشهوات والشبهات ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
والسؤال الثالث: هل يقر شرع الله ذلك ؟.
والجواب: لا ورب الكعبة ، بل شرع الله يبطل هذا الزواج الخبيث وهذه العلاقة المشئومة ، فعقد الزواج في الإسلام ميثاق له قدسية كبيرة عند الله تعالى وعند رسول الله .
فعلى الزوجين أن يستمتع كل منهما بالآخر - على الوجه الذي شرعه الله - إلا بالقبول ، والإيجاب ، والإعلان ، والولي ، والمهر ، والشهود .
أما القبول و الإيجاب: فهما ركنان لا يصح العقد إلا بهما ، وهي صيغة العقد المعروفة ، ومذهب جمهور العلماء أن العقد يصح بأي لفظ يدل على ذلك .
أما الشروط: فأول شرط من شروط صحة العقد: الولي إذ لا يصح أي عقد في أي أرض ، وتحت أي سماء ، ولأي ظرف من الظروف ، إلا بهذا الشرط وهو شرط الولي . والولي هو والد الفتاة أو من يزوجها إذا توفى أبوها أو إن غاب . وليها من أهلها . قال تعالى: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ [البقرة: 232] . قال الشافعي - رحمة الله - وهذه الآية هي أبين ما في القرآن كله على أنه لا نكاح إلا بولي ، وستعجبون إذا علمتم سبب نزول الآية ، فلقد نزلت في حق معقل بن يسار فلقد زوج معقل أخته لرجل من المسلمين وأحسن إليه معقل وأكرمه ، وبعد فترة طلق هذا الرجل أخت معقل ، فلما انقضت عدتها جاء الرجل مرة أخرى ليرد المرأة ، فقال له معقل بن يسار: زوجتك وأفرشتك ، أكرمتك ، فطلقتها ثم جئت تخطبها ، والله لا تعود إليك أبداً ، وكان رجلاً لا بأس به ، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه ، فنزل قول الله تعالى علي النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أي: فلا تمنعوهن ، فالعضل في اللغة هو: المنع والتضييق والتعسير ، فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ، فلما سمع معقل بن يسار الآية ، قال: الآن أفعل يا رسول الله ، وفي لفظ سمعاً وطاعة الآن أفعل يا رسول الله .. فأعادها إليه بمهر جديد فأنكحها إياه .
استدل جمهور المفسرين بهذه الأية على أنه لا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها أو أن تزوج غيرها ولو كانت ثيباً - لأن أخت معقل بن يسار لم تكن بكراً وإنما كانت ثيباً ، ومع ذلك قال الله لوليها ، فَلا تَعْضُلُوهُنَّ - إذا لو لم يكن لعضل الولي معنى ما أمر الله ولي المرأة أن يردها إلي الرجل مرة أخرى .