فهرس الكتاب

الصفحة 9907 من 9994

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَ لُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71]

أما بعد .

فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى محمد ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار .

أحبتي في الله:

نتحدث اليوم عن ظاهرة خطيرة تنتشر في مجتمعنا انتشار النار في الهشيم فإنه لا ينبغي أن يكون العلماء بموضوعاتهم وأطروحاتهم في جانب وأن تكون الأمة وأن يكون المجتمع بمشاكله وهمومه في جانب أخر .. نحن اليوم على موعد مع هذه الظاهرة التي تسمى بـ (( الزواج العرفي ) )وكما تعودت حتى لا ينسحب بساط الوقت سريعاً من تحت أقدامنا فسوف ينتظم حديثي مع حضراتكم في هذا الموضوع الخطير في العناصر التالية:

أولاً: الزواج آية ربانية ، وسنة نبوية ، ومملكة إيمانية .

ثانياً: الزواج السري باطل .. شرعاً وعرفاً .

ثالثاً: الضحايا يعترفون .. والمأساة مروعة !!

رابعاً: هذه هي الأسباب .. وهذا هو العلاج .

وأخيراً: فهل من توبة ؟!!

فأعيروني القلوب والأسماع ، والله أسأل أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ

أولاً: الزواج آيه ربانية ، وسنة نبوية ، ومملكة إيمانية:

أحبتي الكرام: إن الإسلام لا يحارب دوافع الفطرة ولا يستقذرها ، وإنما ينظمها ، ويرفعها عن المستوى الحيواني و البهيمي .. وهذا هو الذي يليق بالإنسان الذي كرمه الله عز وجل .

قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً [ الإسراء: 70] .

فالزواج آية من آيات الله ، وسنة من رسول الله ، والإسلام يقيم العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس من المشاعر الطاهرة الرقيقة التي تبنى على السكن النفسي والبدني والمودة والرحمة . قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم:21] .

أما بيت الزوجية فمملكة إيمانية . الزوج ملكها ، وربانها ، والمسير لأمورها و شؤونها ، بما جعل الله له من قوامة في قوله تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ والزوجة هي الأخرى ملكة متوجة في هذه المملكة الإيمانية لأنها شريكة الحياة ورفيقة الدرب وقرة العين ، أما الرعية في هذه المملكة الطيبة بين هذين الملكين الكريمين ، فهم ثمرة الفؤاد .. ولب الكبد .. وزهرة الحياة الدنيا .. هم الأولاد قال تعالى: المالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .

هذه المملكة إن ظلل سماءها منهج رب البرية .. و سيد البشرية ، وروى نبتها بماء الإخلاص والمودة والرحمة الندية ، أتت ثمارها كل صبح وعشية .. وأينعت في أرضها زهرات الحب ، والوفاء ، والإخلاص ، الأخلاق العلية .

وهذا هو السبيل الشرعي الوحيد الذي يضمن للمرأة حقوقها ، وكرامتها ويضمن للأولاد حقوقهم ، وكرامتهم ، في المجتمع الإسلامي ، لأن الزوج في هذا الزواج الشرعي مسئول مسئولية كاملة عن زوجته وأولاده في الدنيا والآخرة لقوله تعالى:

لينفقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق: 7]

ولقول الله تعالى: يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]

ولقول النبي كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري و مسلم من حديث ابن عمر (( كُلُّكُمْ رَاعٍ ومَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ .. وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِىْ أَهْلهِِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ) ) (1) . ولقول النبي كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله (( … اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ ) )ثم قال المصطفى صلى الله عليه وسلم (( وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) ) (2) .

هذا هو الزواج الشرعي الذي عرفه المسلمون منذ زمن الوحي إلي أن صرنا إلي هذا الزمان الذي يموج بالفتن ، فتن الشهوات والشبهات .. إلى أن صرنا إلى هذا الزمان الذى اختلت فيه المقاييس الصحيحة للحلال والحرام !! وتجرأ فيه كثير من الناس على محارم الله جل وعلا وعلى حدود !! ‍‍ورأينا ظاهرة جديدة تنتشر الآن في المجتمع انتشار النار في الهشيم ، تلك الظاهرة التي تسمى بالزواج العرفي وهو عنصرنا الثاني من عناصر هذا اللقاء.

الزواج السري الذي يطلقون عليه (( العرفي ) )باطل شرعاً وعرفاً فأعيروني القلوب والأسماع جيداً ، لأن هذا العنصر هو لب الموضوع وأساسه ونظراً لأهميته وخطورته فسوف أركز الحديث فيه على ثلاثة محاور .

المحور الأول: صورة الزواج العرفي القائم

المحور الثاني: بطلانه عرفاً .

المحور الثالث: بطلانه شرعاً .

أولاً: صورة الزواج العرفي القائم:

تتلخص في التقاء الرجال بالنساء أو الشباب بالفتيات في العمل أو المدارس والجامعات ، فيترصد الشاب لفتاة مستهترة !! وهذه الفتاة يعرفها الشباب جيداً ، وذلك من خلال شعرها المكشوف ، وثوبها الضيق أو العاري الذي يظهر كل فتنة مخبوءة في جسدها ، يعرفها الشباب من خلال عطرها الأخاذ وبرفانها العاصف وحركاتها المثيرة وكلماتها المؤثرة وإلا فأنا أتحدى أن يترصد شاب مستهتر لفتاة تجلببت بجلباب الحياء والعفة والمروءة والطهر والشرف ، يترصد الشاب بفتاة مستهترة - من هذا النوع الذي ذكرت - ويلهب مشاعرها وأحاسيسها بكلمات الحب ، والعشق ، والغرام التي حفظها من كتب الأدب المكشوف ، أو من المسلسلات والأفلام ، ويقسم لها الشاب بالتوراة والإنجيل والقرآن أنه يحبها حباً قد أحرق فؤاده ، وأنه لا يصير على فراقها في لحظة من ليل أو نهار ، ومن ثَمَّ فهو يريد أن يتزوج بها ولكن - ولكن ماذا ؟!! ولكن الظروف لا تسمح الآن !! من هنا يحاول الشاب أن يقنع الفتاة أن يتزوجها سراً !! يعني بدون علم الولي ، يعني بدون علم والد الفتاة المسكين ، الذي يربي و ينفق ، ثم تتزوج ابنته زواجاً باطلاً من غير أن يدري المسكين عن هذا الزواج شيئاً .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم !!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت