إياك أن تسأل غيره ، أو تذبح لغيره ، أو أن تحلف بغيره ، أو أن تطوف بغير بيته في مكة ، أو أن تسأل غيره ن أو أن تتوكل على غيره.
يا صاحب الهمَّ أن الهمَّ منفرج أبشر بخير فإن الفارج الله
إذا بليت فثق بالله وارض به إن الذى يكشف البلوى هو الله
الله يحدث بعد العسر ميسرة ... لا تجزعن فإن الصانع الله ...
قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [ الأعراف:96]
ولكن شكوا في قدرة الله ، وما قدروا الله - جل وعلا - حق قدره.
من توكل عليه كفاه ، ومن اعتصم به نجاه ، ومن فوض الأمر إليه هداه
... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه ... [ الطلاق: 2-3 ]
قالت هاجر: آلله الذى أمرك بهذا ؟: قال إبراهيم: نعم . قالت هاجر: إذا لا يضيعنا!!
وانطلق إبراهيم عليه السلام حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا ورفع يديه بهؤلاء الدعوات: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [ ابراهيم: 37 ]
وجعلت أم إسماعيل ترضع ولدها وتشرب من ذلك الماء الذى كان معها حتى إذا نفد ما في السِّقاء عطشت وعطش ابنها ، وجعلت تنظر إليه يتلوى ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ثم استقبلت الوادى تنظر . هل ترى أحداً ، فلم ترى أحداً ، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت بطن الوادى رفعت طرف درعها ، ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادى ثم أتت المروة ، فقامت عليه ونظرت هل ترى أحداً فلم تر أحداً ، ففعلت ذلك سبع مرات ، قال ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( فَذَلِكَ سَعْىُ النَّاس بَيْنَهُمَا ) )، فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه - تريد نفسها - ثم تَّسمعت ، فسمعت أيضاً ، فقالت: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غَوَاثٌ ، فإذا هى بالملك عند موضع زمزم فبحث بِعَقِبِهِ - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء فجعلت تُحَوِّضُهُ وتقول بيدها هكذا ، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يَفُورُ بَعْدَما تغِرفُ. قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يَرْحَمُ الله أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ ) )أو قال: (( لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مَنَ المَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْناَ مَعِيناً ) )قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الَملَكُ: لا تخافوا الضَّيْعَةَ ، فإن ها هنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله لا يُضيعُ أهلَهُ.
قال: ثم لبث عنهم ( إى إبراهيم عليه السلام ) ، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبرى نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم ، فلما رآه قام إليه ، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد ، والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن الله قد أمرنى بأمر . قال: فاصنع ما أمرك ربك . فيقول إبراهيم: وتعُيننى ؟ قال: وأعينُك . فقال: إن الله أمرنى أن أبنى ها هنا بيتاً ، واشار إلى أَكَمَة مرتفعة على ما حولها ، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت ، فجعل إسماعيل يأتى بالحجارة ، وإبراهيم يبنى ، حتى إذا ارتفع البناء ، جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه ، وهو يبنى وإسماعيل يناوله الحجارة ، وهما يقولان
رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ . قال: فجعلا يبنيان حتى يدوراً حول البيت وهما يقولان: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ .
قال العلماء: لما قام إبراهيم عليه السلام على الحجر غاصت قدماه فيه وهذا هو المقام الذى نراه الآن في مواجهة باب الكعبة شرفها الله وقد أثرت فيه أقدام الخليل عليه السلام ، وهذا هو القول الراجح في قوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً فالمقام في اللغة هو موضع الأقدام ، فالمقام هو الذى قام عليه إبراهيم ليعلى البناء فغاصت قدمه عليه السلام فيه ليثبته الله - جل وعلا - ولما أنهى إبراهيم البناء إلاَّ موضع الحجر الأسود ، فقال: انطلق يا بنى فأبغى حجراً لنكمل البناء ، فانطلق إسماعيل ليأتى بالحجر الأخير ثم عاد فوجد حجراً ليس من جنس حجارة الكعبة فاستغرب وتعجب إسماعيل وقال: يا أبتى من الذى جاءك بهذا الحجر . فقال إبراهيم: جاءنى به من لم يتكل على بنائى وبنائك جاءنى به جبريل من السماء ، وهذا الحديث رواه الإمام الحاكم في المستدرك وابن أيى شيبه وابن جرير والبيهقى في الدلائل وحسنه الحافظ ابن حجر.
لما أنهى إبراهيم البناء أمره الله جل وعلا أن يؤذن في الناس بالحج. فقال إبراهيم ومن الذى يسمع صوتى يا رب. فقال الله جل وعلا: (( أَذَّنْ أنت وعلينا البلاغ ) ). فقال إبراهيم: فماذا أقول ؟ فقال الله جل وعلا: (( قل يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا ) )يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( فسمعه مَنْ بين السماء والأرض ، ألا ترى إلى الناس يجيئون من كل فج عميق يلبون ويقولون لبيك اللهم لبيك ) )، والحديث رواه الحاكم وابن جرير والبيهقى بأسانيد قوية كما قال الحافظ ابن حجر في فتح البارى وفى كتاب الحج.
وهكذا أيها الأحباب أتم إبراهيم وإسماعيل البناء بأمر الله عز وجل.
هذه قصة البيت بإيجاز شديد إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ ( وبكة هى مكة ) ، سميت مكة ببكة لشدة الزحام ، فالبك في اللغة هو الزحام ، وقيل أيضاً: البك هو دك العنق ، فمن قصد مكة بسوء من جبار إلى ودق الله عنقه وكلكم يعلم قصة أصحاب الفيل أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [ الفيل: 1-5 ]
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكا ً البركة هى كثرة الخير ، ولقد أمتن الله على أهل البيت بهذا فقال سبحانه: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [ قريش: 3-4 ]
مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ (أى في البيت ) من هذه الآيات البينات مقام إبراهيم وقلت لكم بأن مقام إبراهيم هو الحجر الذى وقف عليه ليعلى البناء ، وكان هذا الحجر ملاصقاً لجدار الكعبة إلى عهد عمر بن الخطاب فلما تولى عمر الخلافة أخر هذا المقام إلى المكان الذى نراه الآن أمام الكعبة حتى لا يعوق الطائفين عن الطواف حول بيت الله الحرام وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً (أى ومن دخل هذا البيت كان آمناً ) .