فهرس الكتاب

الصفحة 9904 من 9994

فإننا اليوم أيها الأحباب في يوم عرفة وفى يوم جمعة .. إنه فضل الله جل وعلا يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .. ففى هذا اليوم تتجلى عالمية الإسلام في عرفات .. هذا أحمر .. وهذا ابيض .. وهذا اسود والكل يقف الآن على عرفات وقد رفعوا أكف الضراعة إلى رب الأرض والسموات ، هذا يخاطب الله بالعربية .. وذاك يخاطب الله بالباكستانية .. وذاك يخاطب الله بالانكليزية .. وذلك يخاطب الله بالفرنسية .. وسبحان من لا تختلف عليه اللغات ولا تختلف عليه الأصوات.

يسمع كل أحد .. ويجيب كل أحد .. ويعرف ما يقوله كل أحد (( ... يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ ، وَآخِرَكُمْ ، وَإِنْسَكُمْ ، وَجِنَّكُمْ ، قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ) ) (1)

سبحان الله الذى لا تختلف عليه اللغات .. ولا تشتبه عليه الأصوات.

يقف الجميع الآن لتظهر عالمية الإسلام في عرفات ، لكن الذى يدمى القلب ويؤلم النفس أن يجتمع المسلمون من كل فج عميق ومن كل حدب وصوب في هذا التجمع العالمى الكبير ، ثم ينفضون ولا حَرَّكوا ساكناً ، ولا غيروا واقعاً وما وجهوا دفة .. ولا حول ولا قوة إلا بالله !!.

هذه دماء المسلمين تنْزف بغزارة في كل مكان ، وهاهى برك الدماء وأكوام الأشلاء تجسد الفجيعة وتحكى المأساة في ألف مليون مسلم

وَأَيْنَ هُمُوا إِذَا وَعَتْ الجِرَاحُ

مَا ثَمّ مُعْتَصم يُغِيثُ مَنْ استَغَاثَ بِهِ وَصَاحَ

يأتى هذا الجمع من كل فج عميق وسرعان ما ينفض وما أثّر في شئ وما غير شيئاً .. وما حرك ساكناً .. وما اهتم العالم كله بهذا التجمع !!! لأنهم يعلمون أن المسلمين الآن غثاء كغثاء السيل كما قال الصادق المصدوق: (( يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَتَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ) )قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله ؟!. قال: (( بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ ) )قيل: وما الوهن يا رسول الله ؟ . قال: (( حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ) ) (1)

ولكنه يومُ تتجلى فيه رحمة الحق جل وعلا على عباده الضعفاء ، فإنه سبحانه الذى خلقنا .. وإنه يعلم ضعفنا .. ويعلم فقرنا .. ويعلم عجزنا .. ويعلم تقصيرنا فيتجلى برحمته -جل وعلا - على حجاج بيته الحرام ، الذين تركوا الديار والأهل والأموال والأوطان وراحوا ليقفوا اليوم على عرفات وقد سُكبت منهم العبرات .. وضجّت منهم الأصوات .. وارتفعت لهم الدعوات .. ليتجلى عليهم رب الأرض والسموات ويباهى بهم ملائكته.

ففى مسند الأمام أحمد أن رسول الله قال: (( إِنَّ الله تَعَالى يُيَاهِى بِأَهْلِ عَرَفَات أَهَلَ السَّمَاء فَيَقُولُ لَهُمْ: جَاؤُونِى شُعْثاً غُبْراً ) ) (2) . وفى رواية (( منْ كُلَّ فَجِ عَمِيق يَرْجُونَ رَحْمتِى وَيَخَافُونَ عَذَابِى ، فَوَعِزَّتِى وَجَلالِى أُشْهِدكُمْ بِأَنَّى قَدْ غَفَرتُ لَهُ ) )، الحديث حسن ، بل ومن علمائنا من قال عنه حديث صحيح متصل الإسناد (( أُشْهِدكُمْ بِأَنَّى قَدْ غَفَرتُ لَهُمْ ) ).

إنه يوم الرحمات أيها الأحباب ، ولذا ورد في صحيح مسلم من حديث عائشة -رضى الله عنها - أنه قال: (( مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ ، عَرَفَةَ ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ ) ) (3) .

إنه فضل الله جل وعلا ، ولذا أرى أيها الأحباب أنه في الجفاء إلا نصحب اليوم حجاج بيت الله الحرام بأنفسنا ، إن لم يكن بأشخاصنا وأجسامنا فتعالوا بنا سريعاً نطير على جناح السرعة إلى بيت الله الحرام لنتعرف على قصة هذا البيت ، ومن الذى بناه ، وما الذى جعل القلوب في كل مكان تهوى إليه. استمع أيها الحبيب الكريم يقول الله جل وعلا: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [ آل عمران: 96 ، 97 ]

أيها الحبيب الكريم: ورد في الصحيحين من حديث أبى ذر أنه سأل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أىُّ مسجدٍ وُضِعَ في الأرض أَوَّلَ؟ ( أى ما هو أول المساجد التى بنيت في هذه الأرض) ، فقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( المَسْجِدُ الحَرامُ ) )قال أبو ذر: ثم أَىُّ؟ قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( المَسْجِدُ الأَقْصَى ) )قلت (أى أبو ذر) : كم كان بينهما ؟ قال الحبيب: (( أَرْبَعُونَ سَنَةً ) )ثم قال: (( وأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلاةَ فَصَلِّ فَهُوَ مَسْجِدٌ ) ) (1) فإن أول بيت بُنَى لله في أرضه هو المسجد الحرام.

وقال علماؤنا: إن أول من بنى البيت هم الملائكة ، ومنهم من قال: إن أول من بنى البيت هو آدم عليه السلام ، ومنهم من قال: إن أول من بنى البيت هو إبراهيم عليه السلام.

والراجح: أن إبراهيم وإسماعيل هما اللذان رفعا القواعد من البيت ، فإن قواعد البيت كانت قديمة وجاء إبراهيم وإسماعيل بأمر الله جل وعلا ليرفعا هذه القواعد كما قال ربنا سبحانه: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ البقرة 127: 128 ]

القواعد: يعنى الأساس كان قديماً ، وجاء إبراهيم وإسماعيل فرفعا قواعد البيت بأمر الله جل وعلا ، وفى الحديث الطويل الذى جاء في البخارى (2) من حديث ابن عباس أنه قال لما جاء إبراهيم بهاجر وإسماعيل عليهما السلام ، ووضعهما عند البيت عند دوحة ( شجرة كبيرة ) فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذٍ أحدٌ ، وليس بها ماء فوضعها هنالك ، ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء ، ثم قفى إبراهيم منطلقاً ( أى ولى راجعاً إلى الشام ) فتبعته أم إسماعيل ، فقالت: يا إبراهيم ، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادى الذى ليس فيه إنسٌ ولا شئ ؟ فقالت له ذلك مراراً ، وجعل لا يلتفت إليها ، فقالت له: آلله الذى أمرك بهذا ؟ قال: نعم ، قالت: إذن لا يضيعنا ، ثم رجعت.

أحبتي في الله

نريد أن نتعلم اليقين الذى علمته للدنيا كلها هاجر - عليها السلام - وهاجر من هنا خرجت ، فمن مصر خرج اليقين أيها الأحباب ، فنريد أن نعود إلى هذا اليقين وأن تعود إلى هذه الثقة بالله ، وأن نعود إلى هذا التوكل الصادق على الله جل وعلا.

يا عبد الله: أعلم بأن الضُّرَ والنَّفْعَ بيد الله ، وأعلم بان الرزق بيد الله ، واعلم بأن الأمر كله بيد الله فعليك أن تثق في الله ، وأن تلجأ إلى الله وحده وأن تستعين بالله وحده، وأن تفوض أمرك كله لله وحده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت