فقال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: (( بل جلست أنت وصفوان بن أمية في حجر الكعبة فذكرتما أهل بدر من قريش ، ثم قلت لصفوان: لولا دين علىّ وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدى ، لركبت إلى محمد لأقتله ، فتحمل لك صفوان بدَيِنكَ وعيالك ، على أن تقتلنى ، والله حائل بينك وبين ذلك ... ) )
الله أكبر
فقال عمير بن وهب: أشهد أنك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله هذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فوالله إنى لأعلم أنه ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام ، وساقنى هذا المساق ثم شهد شهادة الحق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فقهوا أخاكم في دينه وأقرؤوه القرآن ، وأطلقوا له أسيره ) )
هل في لغة البشر ما أستطيع أن أعبر عن هذه الأخلاق السامية ؟!
وروى الإمام أحمد بسند صحيح من حديث أبى سعيد الخدرى أنه قال: لما قسم النبى صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم حنين أعطى لقومه من قريش ولسائر العرب ولم يعط الأنصار من الغنائم شيئا حتى وَجَدَ الأنصار في أنفسهم على رسول الله حتى قال قائلهم: والله لقد لقى رسول الله قومه ، فلما سمع سعد بن عبادة الأنصارى هذه العبارة انطلق إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله بأبى أنت وأمى لقد وَجَدَ الأنصار عليك في أنفسهم .
فقال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: فيما يا سعد
فقال سعد: لأنك قسمت الغنائم وأعطيت قومك من قريش وأعطيت سائر العرب ولم تعط الأنصار .
فقال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: (( اجمع لى الأنصار يا سعد ) )فجمع سعد بن عبادة الأنصار رضوان الله عليهم وخرج النبى صلى الله عليه وسلم على الأنصار وقام النبى صلى الله عليه وسلم خطيبا في الأنصار:
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (( يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله ، وعالةً فأغناكم الله ، وأعداءً فألّف الله بين قلوبكم ) )
فسكت الأنصار فالتفت إليهم نبينا الحبيب المختار وقال:
(( آلا تجيبون يا معشر الأنصار ) )
فقالوا: ماذا نقول وبماذا نجيب ؟! المنَّ لله ولرسول الله فقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( والله لو شئتم لقلتم فصدقتم: جئتنا طريداً فآويناك وعائلاً فواسيناك ، وجئتنا مخذولا فنصرناك ، وجئتنا خائفاً فآمنَّاك ) )
فقال الأنصار: (( المن لله ورسوله ) )
فقال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: (( يا معشر الأنصار لقد وجدتم في أنفسكم علىّ في لعاعة تألفت بها قلوباً دخلت الإسلام حديثاً ، ووكلتكم أنتم إلى ما منَّ الله عز وجل به عليكم من الإسلام ، يا معشر الأنصار: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير إلى رحالهم ، وتذهبون أنتم برسول الله إلى رحالكم ، يا معشر الأنصار: والله لو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار: والله لو لا الهجرة لكنت رجلا من الأنصار ، فاللهم ارحم الأنصار ، وابناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار ) ) (1) .
فبكى الأنصار رضوان الله عليهم وأرضاهم وارتفعت أصواتهم بالبكاء واخضلت لحاهم وقالوا على لسان رجل واحد لصاحب الأخلاق السامية: رضينا بالله رباً وبرسول الله قسماً ومغنماً .
هل في لغة البشر ما نستطيع به أن نعبر عن هذه الأخلاق من رسول الله .
يوم أن قال لهم (( لولا الهجرة لكنت من الأنصار ) )ويوم أن كرمهم هذا التكريم ؟!! ورب الكعبة فلا فلتردد معى أيها المسلم هذه الشهادة الذكية التى زكاه بها ربه وخالقه (( وإنك لعلى خلق عظيم ) ).
فمبلغ العلم فيه أنه بشرٌ... وأنه خير خلق الله كلهم
أغرٌ عليه للنوة خاتمٌ من نور يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبى صلى الله عليه وسلم لإسمه إذ قال في الخمس المؤذنُ أشهد
وشق له من اسمه ليجلَّه فذو العرش محمود وهذا محمد
أيها الأحبة: والله الذى لا إله غيره لو ظللت الدهر كله أتحدث عن أخلاق رسول الله ما استطعت ولكن لخصت عائشة الصديقة الحصان الرزان هذا الخلق العظيم في كلمات محددة فقالت: كان خلقه القرآن
كان رسول الله قرآنا متحركا بين الناس .. ولقد جمع الله جل وعلا في شخص الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أشخاصاً كثيرة ومتعددة في آن واحد .
فهو رسول الله من عند الله يتلقى الوحى من السماء ليربط السماء بالأرض بأعظم رباط وأشرف صلة !!
وهو رجل سياسة من طرازٍ فريد ، يقيم أمةٌ ودولةً من فتات متناثر فإذا هى بناء شامخ لا يطاوله بناء تذل الأكاسرة ، وتهين القياصرة ، وتغير مجرى التاريخ في فترة لا تساوى في حساب الزمن شيئاً !!
وهو رجل حرب من طراز أوحد ، يقود الجيوش ، ويخطط للمعارك ، ويتخذ غرفةً العمليات عن بعد من أرض المعركة وهذا لم يعلمه التاريخ إلاَّ في القرن الحالى ، وقام ليختار القادة فاختار قائداً للميمنة وقائداً للميسرة ، بل ولما انفضت الجموع في حُنَين قام الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم رافعاً سيفه في ساحة الوغى وميدان البطولة والشرف ، ذالكم الميدان الذى تصمت فيه الألسنة الطويلة ، وتخطب فيه السيوف والرماح على منابر الرقاب .
وقف الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم أن انفض الأبطال والقادة ليعلن بأعلى صوته قائلاً: (( أنا النبى صلى الله عليه وسلم لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ) ).
(( اللهم نزّل نصرك ) )قال البراء: كنا والله إذا احمرَّ البأسُ نتَّقى به وإن الشجاع منا الذى يحاذى به ( يعنى رسول الله ) (1)
وهو أب وزوجٌ ورب أسرة كبيرة تحتاج إلى كثيرٍ من النفقات ، من نفقات الفكر .. من نفقات الشعور .. من نفقات التربية .. من نفقات النصح .. فضلا عن نفقات المال .
فيقوم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذا الدور على أعلى نسقٍ شهدته الأرض ، وعرفه التاريخ .
وهو إنسانىٌ من طراز فريد كأنه ما خلق ليزيل الدموع ، كأنه ما خلق إلا ليمسح الآلام عن القلوب .. يمنح الناس وقته ، وفكره ، وعقله ، وماله ، ونصحه ، وروحه وشعوره كأنه ما خلق إلا ليسعد الناس في الدنيا قبل الآخرة .
وهو قبل كل ذلك ، وبعد كل ذلك قائم على أعظم وأشرف دعوة شهدتها الأرض ، أخذت عقله وفكره ، وروحه ، ودمه .
فيقوم المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذه الأدوار كلها كأنه ما خلق إلا لكل دورٍ من هذه الأدوار ، ليقوم به على أعلى نسق وأكمل صورة .
فلقد بعث الله نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم قدوةً طيبةً فقال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرا [الأحزاب:21]
والسؤال الآن: هل بعث الله نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم لتكون سيرته قصةً تتُلى في يوم من أيام شهر ربيع ؟! ما أرخصه من حب !!
ما أرخصه من اتباع وما أرخصه من تقدير !!
أمةٌ والله لا تعرف قدر نبيها !!
هل بعث الله نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم لتكون سيرته قصة تتلى كقصة أبى زيد الهلالى ؟!! وكأننا ما كلفنا أن نحول هذه السيرة في حياتنا إلى واقع عملى ومنهج حياة .
حاول أعداء الأمة أن يحُولوا بين الأمة وبين رسولها أن يحولوا بين الأمة وبين سيرة النبى صلى الله عليه وسلم العظيم الخاتم لتظل سيرة النبى صلى الله عليه وسلم في حياة الأمة قصة تُتلى ، وحكاية جميلة ترددها الألسنة ، وقصائد مزوقة ، وكلمات منمقة ، يحتفل بها عِلْيَةُ القوم وسادة الناس .