ثم أما بعد: فحيا الله هذه الوجوه الطيبة المشرقة وزكى الله هذه الأنفس ، وشرح الله هذه الصدور وطبتم جميعا أيها الآباء الفضلاء وأيها الأخوة الأعزاء ، وطاب ممشاكم وتبوأتم من الجنة منزلاً وأسال الله العظيم الكريم جل وعلا الذى جمعنا وإياكم في هذا البيت المبارك على طاعته ، أن يجمعنى وإياكم في الآخرة مع سيد الدعاة المصطفى صلى الله عليه وسلم في جنته ودار كرامته إنه ولى ذلك والقادر عليه .
أحبتى في الله:
هذا هو عنوان لقاءنا مع حضراتكم في هذا اليوم الكريم المبارك ونظراً لأن الحديث في هذا الموضوع ذو شجون فسوف أركز الحديث مع حضراتكم تحت هذا العنوان في العناصر التالية:
أولا: وإنك لعلى خلق عظيم .
ثانيا: القرآن يربى ويعلم .
ثالثا: الواقع خير شاهد .
وأخيرا: هذا هو الحب أيها المحب .
فأعرنى قلبك وسمعك أيها الحبيب سائلاً المولى جل وعلا أن يجعلنى وإياكم جميعاً ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولى الألباب .
أولا: (( وإنك لعلى خلق عظيم ) )
روى الطبرانى عن عبد الله بن سلام بسند رجاله ثقات أن زيد بن سعنه -وهو الحبر الكبير من أحبار يهود - قال: ما من شىء من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه محمد حين نظرت إليه إلا إثنتين الأولى: يسبق حلمه جهله ، والثانية: لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً يقول زيد بن سعنه: فخرج رسول الله يوماً من الحجرات مع على بن أبى طالب وإذ برجل من الأعراب يقبل على النبى صلى الله عليه وسلم ويقول يا رسول الله إن قومى في قرية بنى فلان قد دخلوا الإسلام ولكنهم دخلوا في الإسلام طمعاً ، فلقد أخبرتهم أنهم إن دخلوا في الإسلام أتاهم رزقهم رغداً وقد نزلت بهم اليوم شدة وقحط فأخشى أن يخرجوا من الإسلام طمعاً كما دخلوا في الإسلام طمعاً فإن رأيت أن ترسل إليهم بشىء تغيثهم به فعلت يا رسول الله ، فالتفت الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم صاحب الخلق إلى على بن أبى طالب وسأله (( هل عندنا شىءٌ من المال ؟ ) ).
فقال على بن أبى طالب: لا والله يا رسول الله لقد نفذ المال كله .
يقول زيد بن سعنه: فدنوت من محمد وقلت له: يا محمد هل تبيعُنى تمراً معلوماً في حائط بنى فلان إلى أجلٍ معلوم ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم (( نعم أبيعك تمراً معلوماً إلى أجلٍ معلوم لكن لاتسمى حائط بنى فلان ) )فوافقت على ذلك ، وأعطيت النبى صلى الله عليه وسلم ثمانين مثقالا من الذهب ، يقول زيد بن سعنه: فأخذها النبى صلى الله عليه وسلم كلها وأعطاها لهذا الأعرابى وقال (( اذهب إلى قومك فأغثهم بهذا المال ) )فانطلق الأعرابى بالمال كله ، ولم يمض غير قليل من الوقت، ورسول الله مع أبى بكر وعمر وعثمان ونفر من أصحابه بعد أن صلى جنازة على صاحب له وأتى إلى جدار ليجلس إليه في ظله فاقترب منه زيد بن سعنه ونظر إلى النبى صلى الله عليه وسلم بوجه غليظ وأخذ بقميص النبى صلى الله عليه وسلم وردائه وهز الحبر اليهودى رسول الله هزاً عنيفاً وهو يقول له: (( أَدِّ ما عليك من حق ومن دَيْنٍ يا محمد ! ، فوالله ما علمتكم يابنى عبد المطلب إلا مُطلاً في أداء الحقوق وسداد الديون .
فالتف إليه عمر بن الخطاب وعينه تدور وقال له: يا عدو الله أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع وتفعل برسول الله ما أرى ؟!! والذى نفسى بيده لولا أنى أخشى فوته وغضبه لضربت رأسك بسيفى هذا .
يقول زيد بن سعنه: وأنا أنظر إلى النبى صلى الله عليه وسلم وإذا بالنبى ينظر إلى في سكون وهدوء ، ثم التفت المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى عمر بن الخطاب وقال له: (( يا عمر لقد كنت أنا وهو في حاجة إلى غير ذلك ، يا عمر لقد كان من الواجب عليك أن تأمرنى بحسن الأداء وأن تأمره بحسن الطلب .... ) )فبهت الحبر أمام هذه الأخلاق السامية ، وأمام هذه الروح الوضيئة العالية من الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بأبى هو وأمى .
أتدرون ماذا قال الحبيب صاحب الأخلاق العظيمة ؟
التفت الحبيب إلى عمروقال
(( يا عمر خذه وأعطه حقه وزده عشرين صاعاً من تمرٍ جزاء ما روعته !! ) )
يقول زيد بن سعنه: فأخذنى عمر بن الخطاب وأعطانى حقى وزادنى عشرين صاعاً من تمر .
فقلت له: ما هذه الزيادة يا عمر ؟!
فقال: أمرنى رسول الله أن أزيدكها جزاء ما روعتك
فالتفت الحبر اليهودى إلى عمر وقال: ألا تعرفنى ؟
قال: لا ، قال: أنا زيد بن سعنه .
قال عمر: حبر اليهود ؟! قال: نعم .
فالتفت إليه عمر وقال: فما الذى حملك على أن تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلت ؟ وعلى أن تفعل برسول الله ما فعلت فقال زيد: والله يا ابن الخطاب ما من شىء من علامات النبوة إلا وقد عرفته في وجه رسول الله حين نظرت إليه ولكننى لم أختبر فيه خصلتين من خصال النبوة .
فقال عمر: وما هما ؟
قال حبر اليهود: الأولى: يسبق حلمه جهله ، والثانية: لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلماً أما وقد عرفتها اليوم في رسول الله فأشهدك يا عمر أنى: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله .
أيها الأحبة:
ماذا أقول أمام هذه الأخلاق ؟! وبأى لغة أعلق ؟!
وأنا أسأل الآن وأقول: هل في لغة البشر ما أستطيع أن أعبر به عن هذه الأخلاق السامقة ؟ ورب الكعبة فلا !!
فلندع المشهد يتألق سمواً وروعةً وجلالاً ولتردد معى أيها المحب للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه الشهادة العظيمة من خالقه جل وعلا: (( وإنك لعلى خلق عظيم ) ).
وروى ابن اسحاق بسند صحيح مرسلا وقال الهيثمى في مجمع الزوائد: أخرجه الطبرانى عن أنس ورجاله رجال الصحيح من حديث عروة بن الزبير أن عمير بن وهب أُسِرَ ولده وهب بن عمير في غزوة بدر فجلس عمير بن وهب مع صفوان بن أمية وكان على الكفر والشرك ، جلساً إلى جوار الكعبة فتذكرا يوم بدر فقال عمير بن وهب لصفوان بن أمية: والله لولا دَيْنٌ على وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدى ، لركبت إلى محمد لأقتله ، فإن لى قبلهم علة ، ابنى أسيرٌ في أيديهم ، فاغتنمها صفوان بن أمية وقال: علىَّ دَيْنُك أنا أقضيه عنك ، وعيالك مع عيالى ، لا أمنع شيئاً عنهم .
فقال له عمير: فاكتم شأنى وشأنك ، قال: أفعل فانطلق عمير إلى المدينة وقد شحذ سيفه وسَّمه ، فلما أناخ راحلته على باب المسجد رآه الفاروق الملهم عمر بن الخطاب متوشحاً سيفه .
فقال عمر: هذا عدو الله عميرُ بن وهب والله ما جاء إلا لشر .
ثم أخذ عمر بحمالة سيفه في عنقه فلببَّه بها ثم أدخله على رسول الله
فقال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: أرسله يا عمر ، ثم قال: ادن ياعمير ، فدنا من رسول الله ثم قال له رسول الله: ما الذى جاء بك يا عمير ؟
فقال: ابنى أسيرٌ في أيديكم جئت لتحسنوا في فدائه .
فقال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: أصدقنى يا عمير ، مالذى جاء بك قال: ما جئت إلا لهذا .
فقال النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: فما بال السيف في عنقك
فقال عمير بن وهب: قبحها الله من سيوف ، وهل أغنت عنا شيئاً يوم بدر ؟!
فقال (( أصدقنى يا عمير مالذى جاء بك ) )
قال عمير: ما جئت إلا لذلك .