« إن الله جمع بين ريقى وريقه عند الموت دخل علىَّ عبد الرحمن وبيده سواك، وأنا مسندة رسول الله إلى صدرى، فرأيته ينظر إلى السواك ، وأنا أعرف أنه يحب السواك ، فقلت: آخذه لك يا رسول الله ، فأشار برأسه: أن نعم . فتناولته فأخذته ، ومضغته، ثم لينته ، قم طيبته ، ثم أعطيته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاك به جيداً، فلما انتهى أخذت السواك وأخذتُ أمْتَصُ من السواك ريق رسول الله فكان هذا هو آخر عهدى بريق المصطفى صلى الله عليه وسلم » .
فجمع الله بين ريقى وريقه في أخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة.
وكان بين يديه ركوة فيها ماء فجعل يُدخل يده في الماء فيمسح بهما وجه ويقول:
« لا إله إلا الله إن للموت لسكرات . اللهم أعنى على سكرات الموت» ( [16] )
وأقبلت عليه فاطمة الزهراء رضى الله عنها وكانت من أحب الناس إلى رسول الله وكانت إذا دخلت عليه في حالة صحته قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه ولكنه اليوم لا يستطيع القيام كما ورد في الحديث الذى رواه أبو داود والترمذى والنسائى . وابن حبان والحاكم من حديث عائشة رضى الله عنها.
« ما رأيت أحداً أشبه سمتاً وهدياً برسول الله بقيامها وقعودها من فاطمة وكانت إذا دخلت على النبى صلى الله عليه وسلم قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه»
فلما مرض الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم دعا كما ورد في الحديث الذى رواه البخارى من حديث عائشة: « دعا النبى صلى الله عليه وسلم فاطمة عليها السلام في شكواه الذى قبض فيه فسارها بشئ فبكت ثم دعاه فسارها بشئ فضحكت فسألنا عن ذلك فقال: سارنى النبى صلى الله عليه وسلم أنه يقبض في وجعه الذى توفى فيه ، فبكيت ثم سارنى فأخبرنى أنى أولُ أهله ( لحوقاً به) يتبعه، فضحكت» ( [17] )
ثم قال: يا فاطمة إن جبريل كان يعارضنى القرآن في كل عام مرة ولقد عارضنى القرآن ، في هذا العام مرتين وما أراه إلا أنه قد اقترب الأجل يا فاطمة فبكت رضى الله عنها فقال: يا فاطمة إنك أشدُ نساءِ المسلمين مصاباً بى بعد موتى فلا تكونى أقل امرأةٍ منهم صبراً فاصبرى يا بنتى واحتسبى عند الله اجركى فقامت فاطمة تبكى وتقول احتسبتك عند الله يا رسول الله .
* فلما كان يوم الأثنين الذى توفى فيه رسول الله خرج إلى الناس وهم يصلون الصبح فرفع الستر وقام على باب عائشة فكاد المسلمون يُفتنون في صلاتهم فرحاً برسول اله حين رأوه وهمَّ أبو بكر أن يتأخر فأشار إليهم أن أثبتوا على صلاتكم وتبسم لما رأى من هيئتهم في صلاتهم ثم رجع وأرخى الستر ( [18] )
* وعاد وقد اقترب الأجل وبدأت اللحظات الأخيرة من عمره الشريف تتلاشى وتنتهي .
تقول عائشة: «مات رسول الله بين سحرى ونحرى وأنا مسندته إلى صدري فرأيته رفع يده أو إصبعه ثم قال: بل الرفيق الأعلى ..، بل الرفيق الأعلى ..، بل الرفيق الأعلى فعلمت أنه لا يختارنا» ( [19] )
وعن أنس قال: لما ثقل النبي جعل يتغشاه فقالت فاطمة عليها السلام: واكرب أبتاه، فقال لها: ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب رباً دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله التراب» ( [20] )
• مات رسول الله .. مات المصطفى صلى الله عليه وسلم محمد ... مات خير خلق الله .. مات إمام الأنبياء ومات إمام الأصفياء.. مات إمام الأتقياء.
وقام عمر يصرخ ويقول: إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد مات وإن رسول الله والله ما مات ولكنه ذهب إلى لقاء ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم والله ليرجعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فليقطعن أيدى رجال وأرجلهم زعموا أنه قد مات وعقر علىّ فقعد في الأرض لا يستطيع القايم.
وخرس لسان عثمان يذهب به ويأتى به من يده لا يتكلم .
وجاء الصديق وعمر يكلم الناس فلم يلتفت إلى شئ حتى دخل الجسمان الطاهر الشريف وهو مسجى في بيت عائشة فكشف الثوب عن وجهه وأقبل عليه يقبله ، وبكى وهو يقول: بأبى أنت وأمى يا رسول الله وأنبياءه واصفياه واخليلاه. أما الموته التى قد كتبها الله عليك فقد ذقتها ثم لن تصيبك بعدها موته أبداً ثم رد البرد على وجهه ، خرج إلى الناس فقال: على رسلك يا عمر فأبى إلا أن يتكلم فأقبل الناس على أبى بكر فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ على الناس قول الله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِين َ ( [21] )
فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية قد نزلت وأخذها الناس عن أبى بكر فإنما هى في أقواههم. فلما سمعها عمر عقر ووقع على الأرض لا تحمله رجلاه وعلم أن رسول الله قد مات ( [22] )
وجاءت فاطمة تبكى وتقول: يا أبتاه أجابَ رباً دعاه..، يا أبتاه إلبى جبريل ننعاه ..، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه ( [23] )
ثم غسلوه في ثبابه ، وكفنونه ، ودفنوه في حجرة عائشة رضى الله عنها .
والله إن العين لتدمع .. وإن القلب ليحزن .. وإنا لفراق رسول الله لمحزونون.
الخطبة الثانية:
إنها الحقيقة الكبرى يا عباد الله ...
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور ِ ( [24] )
إنها الحقيقة التى تسربل بها طوعاً أو كرهاً العصاة والطائعون وشرب كأسها الأنبياءُ والمرسلون.. إنها الحقيقة التى تصبغ الحياة البشرية كلها بصبغة الذل والعبودية لقهار السموات والأرض . إنها الحقيقة التى تعلن على مدى الزمان والمكان في أُذن كل سامع وعقل كل مفكر وأديب أنه لا بقاء إلا لله الحىَّ القيوم.
أيا عبد كم يراك الله عاصياً حريصاً على الدنيا وللموت ناسياً
أنسيت لقاءَ الله واللحدَ والثرى ويوماً عبوساً تشيب فيه النواصيا
لو أن المرء لم يلبس ثياباً من التُقَّى تجرد عرياناً ولو كان كاسياً
ولو أن الدنيا تدوم لأهلها لكان رسول حياً وباقياً
فلترسخ هذه الحقيقة في القلوب والعقول ولنعلم أن قدر رسول الله في قلوبنا على قدر اتباعنا له. فمحبتنا له تستلزم اتباعه في كل ما أمر والانتهاء عما نهى عنه وزجر وتصديقه في كل ما أخبر ومحبته أكثر من النفس والمال والولد دون غلوا أو إطراء .. اللهم صلى وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم واجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن امته ورسولا عن دعوته ورسالته واحشرنا في زمرته وتحت لواءه واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً يارب العالمين... الدعاء
( 1 ) سورة آل عمران:81
( [2] ) صحيح: [ ص.ج:4222] ، رواه البخاري رقم (6/90) في الجهاد، ومسلم رقم (523) في المساجد، والترمذي (1553) في السير، والنسائي (6/3، 4) في الجهاد
( [3] ) صحيح: [ ص.ج: 5857] ، رواه البخاري رقم (6/408) في الأنبياء، ومسلم رقم (2286) في الفضائل، والترمذي (2866) في الأمثال.
( [4] ) صحيح: [ مختصر مسلم: 1524 ] ، رواه مسلم رقم (2278) في الفضائل، وأبو داود رقم (4763) في السنة ، والترمذي رقم (3615) في المناقب، وأحمد في مسنده 02/540).