والحديث في الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( يؤتى يوم القيامة بالموت كهيئة كبش أملح فينادى مناد: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادى مناد: يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم، وكلهم قد رآه، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ: وأنذرهم يوم الحسرة إذا قضى الأمر، وهم في غفلة وهم لا يؤمنون [مريم:39] . وأشار بيده إلى الدنيا ) ) ( [13] ) .
إذاً ثُبت بالأدلة الصحيحة التى ذكرت الآن أن الأعراض تتحول إلى أجسام توضع في الميزان يوم القيامة ويثقل الميزان ويخف بحسب الحسنات والسيئات، هذه أدله أصحاب القول الأول الذين قالوا بأن الأعمال التى توزن في الميزان يوم القيامة.
ثانياً: القول الثانى
قالوا: بل إن الذى يوزن في الميزان هو العامل وليس الأعمال.
واستدل أصحاب هذا القول بأدلة صحيحة كذلك منها ما رواه البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( إنه ليأتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضه، وقال: اقرؤوا فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) ) ( [14] ) .
رجل سمين عظيم منتفخ منتفش يأتى يوم القيامة فيوضع في الميزان فلا يزن عند الله جناح بعوضة، إذ أن الموازين إذا وضع فيها العباد لا تخف ولا تثقل بحسب ضخامة الأبدان وكثرة الشحم والدهن إنما تخف وتثقل بحسب الحسنات والسيئات، ألم أقل لك: عين الظلم أن نحكم قوانين الدنيا في قوانين الآخرة وفى عالم الآخرة، وفى المقابل يؤتى بساقين ضعيفتين لرجل نحيف ضعيف فإن وضعتا في الميزان في كفة، وجبل أحد في كفة أخرى لرجحت كفة هذا الرجل، من هو؟!!
إنه عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، إنه رجل ضعيف البنية قوى الإيمان رجل خفيف الجسم ثقيل الأعمال، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم والحديث تفرد به الإمام أحمد في مسنده بسند جيد قوى كما قال الحافظ ابن كثير وغيره، يقول على بن أبى طالب رضى الله عنه:"صعد ابن مسعود رضى الله عنه يوماً على شجرة آراك يجنى سواكاً فجعلت الريح تكفأه فضحك القوم، فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( مما تضحكون؟ ) )قالوا: نضحك من دقة ساقيه يا رسول الله فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( والذى نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من جبل أحد ) ) ( [15] ) ."
هذه أدله أصحاب القول الثانى ممن قالوا بأن الذى يوزن في الميزان هو العبد.
ثالثاً: الرأى الثالث
قالوا بل إن الذى يوزن في ميزان العبد يوم القيامة هو الصحف.
واستدلوا على ذلك أيضا بحديث صحيح رواه أحمد في مسنده والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبى ورواه ابن حبان وأبو داود وغيرهم وصحح الحديث شيخنا الألبانى من حديث عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله تعالى سيخلص رجلاً من أمتى يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعه وتسعون سجلاً كل سجل مثل مد البصر ثم يقول: أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتى الحافظون؟ فيقول: لا يارب فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيقول: لايارب فيقول الله جل وعلا: بلى إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فيقول: احضروه، فيقول: يارب ما تفعل هذه البطاقة مع هذه السجلات؟، فيقول: إنك لا تظلم، فوضعت السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شىء ) ) ( [16] ) .
وهذا ما استدل به أصحاب الرأى الثالث. وبعدما تجولنا سوياً حول الآراء الثلاث الماضية.
ترى ما هو القول الراجح من هذه الأقوال وما هى الأعمال التى تثقل الميزان؟ هذا ما سنعرفه بعد جلسة الاستراحة.
أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم
الخطبة الثانية
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله
أما بعد.. أيها الأحبة الكرام:
القول الراجح والله أعلى وأعلم أن الأعمال والعامل والصحف كل ذلك يوضع في الميزان يوزن العامل بأعماله وبصحفه وهذا ما رجحه صاحب القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول في التوحيد وهذا ما أميل إليه.
لذا أرى أنه من الواجب علىَّ أن أذكر نفسى وأحبابى ببعض الأعمال التى تثقل الميزان يوم القيامة.
ثالثاً: ما هى الأعمال التى تثقل الميزان يوم القيامة؟
من أعظم الأعمال التى تثقل الميزان يوم القيامة كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم حسن الخلق ففى الحديث الذى خرجته في أول اللقاء من حديث أبى الدرداء أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من شىء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق وإن الله يبغض الفاحش البذىء ) ) ( [1] ) .
نعم حسن الخلق وآه من الحديث عن حسن الخلق، والله ما أحوج الأمة بحكامها وعلمائها وشيوخها ودعاتها ورجالها ونسائها وشبابها وأطفالها إلى حسن الخلق، فإن حسن الخلق لمنهج نظري منير، فإنا نرى بوناً شاسعاً رهيباً بينه وبين سوء الخلق كمنهج واقعى عملى.
أين أخلاق الإسلام؟!! أين أخلاق محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام؟!! فما أيسر التنظير.
إن أرفف المكتبات في بيوتنا وفى مدارسنا وفى جامعتنا تئن بأطنان المجلدات التى سطر فيها المنهج النظرى المشرق المنير، ولكن لو نقبت في واقع الأمة ونظرت نظرة سريعة إلى أحوال الناس، لرأيت بوناً شاسعاً بين هذا المنهج النظرى المنير وبين الواقع المؤلم المر المرير.
يا أمة الإسلام يا أمة سيد ولد عدنان!!
أين الصدق؟! أين الإخلاص؟! أين الرفق؟! أين الحلم؟! أين العفو؟! أين البر؟! أين الحياء؟! أين الرجولة؟! أين الشهامة؟! أين الكرامة؟!
بل أين أين أين؟؟!!
أين أخلاق محمد بن عبد الله .
والله والله إنى لأتهم نفسى وما أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء
وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي الناس والطبيب عليل
فأسأل الله أن يستر على وعليكم وأن يردنى وأن يردكم وأن يرد الأمة جمعاء إلى الخلق الجميل رداً جميلاً إنه ولى ذلك والقادر عليه.
يا شباب الأمة ما أحوجنا إلى محاسن الخلق ما أحوجنا إلى مكارم الأخلاق، إننى أقول دوماً وأبداً، لقد نجح المصطفى صلى الله عليه وسلم في أن يقيم للإسلام دولة من فتات متناثرة وسط صحراء تموج بالكفر موجاً، فإذا دولة الإسلام بناء شامخ لا يطاوله بناء، نجح المصطفى صلى الله عليه وسلم في ذلك يوم أن طبع عشرات الآلاف من النسخ من المنهج التربوى الإسلامى العظيم، ولكنه لم يطبعها بالحبر على صحائف الأوراق، وإنما طبعها على صحائف القلوب بمداد من النور، فحول أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم المنهج الأخلاقى الإسلامى إلى واقع عملى يتألق سمواً وروعةً وجلالاً في دنيا البشر أذهل البشرية - لكنى أقول إن أعظم حجر يقف الآن في سبيل الإسلام في الشرق والغرب هو أخلاق المسلمين إلا من رحم الله، فإن الرجل في الشرق والغرب ينظر إلى المسلمين هناك فيرى المسلم يزنى ويشرب الخمر ويبيع الخنزير ولا يحافظ على الصلوات، فينظر الرجل إلى المسلم الذى يتغنى بالإسلام فلا يرى أنه يفوقه خلقاً، فالحجر العاثر والعقبة الكئود في طريق الزحف الإسلامى في الشرق والغرب هو أخلاقنا إلا من رحم الله.