فهرس الكتاب

الصفحة 9802 من 9994

فقد ينجو العبد من النار بشق تمرة، فإن ثقل الميزان بحسنة سعد العبد بعدها سعادة لا شقاوة بعدها أبداً، وإن خف الميزان ولو بسيئة شقى العبد شقاوة لا سعادة بعدها أبداً، وإن تساوت الموازين فهو من أهل الأعراف والراجح من أقوال أكثر أهل العلم أن الله جل وعلا يتغمدهم برحمته فيدخلهم الجنة.

ثانياً: ما الذى يوزن في الميزان؟‍‍

أيها الأحبة في الله:

لقد اختلف أهل العلم في الجواب على هذا السؤال على ثلاثة أقوال، فأعرنى قلبك وسمعك جيداً فإن الموضوع منهجى دقيق يحتاج إلى حسن متابعة.

أولاً: القول الأول

إن الذى يوزن في الميزان هو الأعمال ذاتها - أى أعمال العبد من صلاة وصيام وزكاة وحج وعمرة وبر وصدقة وغير ذلك من الطيبات الصالحات.

ولكن رفض البعض وقالوا: هذه الأعمال أعراض لا أجسام، والأعراض لا توزن ولا توضع في الميزان، فكيف توزن الصلاة وهى ليست حجم؟! وكيف توزن الزكاة وهى كذلك؟! فكيف تقولون بأن الأعمال هى التى توزن يوم القيامة؟!

والجواب: أن الله جل وعلا يوم القيامة يحول الأعراض إلى أجسام توضع في الميزان يخف الميزان ويثقل بحسب الحسنات والسيئات.

والأدلة على ذلك من السنة الصحيحة كثيرة فتدبر معى، أزف إليك سيلاً من الأدلة الصحيحة من السنة.

روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ) ) ( [8] ) .

انتبه يا مسلم الرسول صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم يقول كلمتان عرض وليس جسماً بهما يثقل الميزان.

بل في الحديث الذى رواه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وابن حبان وصححه شيخنا الألبانى في مشكاة المصابيح من حديث أبى الدرداء رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( ما من شىء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق ) ) ( [9] )

فحسن الخلق أثقل شىء في ميزان العبد يوم القيامة، بل وأخبرنا الصادق المصدوق أن القرآن الكريم يأتى يوم القيامة ليقف أمام العبد بين يدى الله جل وعلا على هيئه غمامة، أى على هيئه ظلة على رأس العبد يوم القيامة ليشفع له أمام الله، بل ويحاج القرآن عن العبد بين يدى الحق تبارك وتعالى.

اسمع ماذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم والحديث رواه مسلم من حديث أبى أمامه الباهلى يقول الصادق المصدوق: (( اقرؤوا القرآن فإنه يأتى يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو كأنهما فرقان من طيرصواف، تحجان عن صاحبهما اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركه وتركها حسره ولا تستطيعها البطله(السحرة ) )) ( [10] ) .

وفى صحيح مسلم يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( يؤتى يوم القيامة بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا، تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما غيايتان وبينهما شرف أو كأنهما غمامتان سوداوان بينهما شرق أو كأنهما ظلة من طيرصواف تحاجان عن صاحبهما ) ) ( [11] ) ، أى بين يدى الله جل وعلا.

كل هذه أدلة من السنة الصحيحة على أن الأعراض تتحول يوم القيامة إلى أجسام وما استطعنا أن نعى كل هذه الحقائق إلا لأننا أردنا أن نحكم قوانين الآخرة الغيبية بقوانين الدنيا الحسية فعجزنا.

أيها المسلم لا تعطل ولا تكيف ولا تمثل ولا تشبه، فلا يستطيع أحداً منا الآن أن يعاند أو يكابر أو يمتنع عن الاعتراف بعالم يعيش بيننا، آلا وهو عالم النحل، بل ولا يستطيع أحد منا أن ينكر أن النمل يتكلم بدليل أن الله لما فك رموز لغة النمل لسليمان عليه السلام، فهم سليمان لغة النمل وتجاوب مع النمل، فقد سجل الله في قرآنه العظيم: حَتَّى إذا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [ النمل: 18 - 19 ] .

إذاً لا يستطيع أحدا منا أن ينكر وجود عالم النمل، بل لا يستطيع أحد منا أن ينكر أن النمل يتحدث ويتكلم، ومع ذلك ما رأينا واحداً قد جاء بمكبرات صوت دقيقة جداً وقربها إلى مجموعة نمل ليسمع كلامها مع أنه يعلم أن النمل يتكلم، لماذا؟!!

لأنه ما أعطى لعقله العنان في أن يدرك كيفية لغة النمل لأن الله ما فك له رموز هذه اللغة، والنمل خلق من خلق الله.

فكيف لعقلك أن يدرك الذات الإلهية؟!

لا تكيف ولا تمثل ولا تعطل ولا تشبه، فعالم الآخرة ليس كعالم الدنيا، الظلم عين الظلم أن نحكم عالم الآخرة الغيبى وقوانينه بعالم الدنيا وقوانينه وهو عالم حسى، فالله سبحانه بقدرته يحول الأعراض إلى أجسام توضع في الميزان، يثقل الميزان ويخف بحسب الحسنات والسيئات بل أخبرنا الصادق أيضاً: (( أن العمل يأتى لصاحبه في القبر على هيئة رجل ) )، نعم والحديث رواه أحمد في مسنده وأبو داود والنسائى والحاكم والترمذى وابن حبان وغيرهم وصحح الحديث ابن القيم وأطال النفس في الرد على من أعل الحديث وصحح الحديث الألبانى من حديث البراء بن عازب رضى الله عنه وفيه أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر العبد المؤمن إذا وضع في قبره فقال: (( ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟، فيقول: ربى الله، ما دينك؟ فيقول: الإسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذى بعث فيكم؟ فيقول: محمد ، فيقولان: ما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله وآمنت به وصدقت، فينادى منادٍ من السماء أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً من الجنة يأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له قبره مد البصر، ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول صاحب القبر له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذى يجىء بالخير، فيقول: أبشر بالذى يسرك هذا يومك الذى كنت توعد أنا عملك الصالح ) ).

وقال المصطفى صلى الله عليه وسلم عن الكافر: (( ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه.. هاه.. لا أدرى، من نبيك؟ فيقول: هاه.. هاه.. لا أدرى، ما دينك؟ فيقول: هاه.. هاه.. لا أدرى، فينادى مناد من السماء أن كذب عبدى فافرشوا له فراشاً من النار وألبسوه لباساً من النار، وافتحوا له باب من النار يأتيه من روحها وسمومها ثم يضيق عليه قبره فتختلف أضلاعه، ويأتيه رجل أسود الوجه قبيح المنظر نتن الريح فيقول: من أنت؟ فوجهك الذى يأتى بشرّ، فيقول: أبشر بالذى يسوؤك أنا عملك الخبيث ) ) ( [12] ) .

أرأيت يا مسلم كيف يكون العمل في هيئة جسم إنسان وكيف يتكلم؟

إياك!! إياك!! أن يشوش عليك كلام العلمانين ممن يريدون أن يجعلوا من سلطان العقل والمادة قانوناً يحكمونه في صريح القرآن وصحيح السنة، فإننا نشهد الآن نبتة سوء ينكر أصحابها عذاب القبر، إن غداً لناظره قريب، هذا كلام الصادق الذى لا ينطق عن الهوى، بل ولقد أخبر الصادق أن الموت نفسه يأتى يوم القيامة كهيئة كبش أملح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت