مثل لنفسك أيها المغرور يوم القيامة والسماء تمور
إذا كورت شمس النهار وأُدْنِيَت حتى على رأس العباد تسير
وإذا النجوم تساقطت وتناثرت وتبدلت بعد الضياء كدور
وإذا الجبال تقلعت بأصولها فرأيتها مثل السحاب تسير
وإذا العشار تعطلت وتخربت خلت الديار فما بها معمور
وإذا الوحوش لدى القيامة أحشرت وتقول للأفلاك أين نسير
وإذا الجليل طوى السماء بيمينه طَىَّ السجل كتابه المنشور
وإذا الصحائف نشرت وتطايرت وتهتكت للعالمين ستور
وإذا الجنين بأمه متعلق يخشى القصاص وقلبه مذعور
هذا بلا ذنب يخاف جناية كيف المصر على الذنوب دهور
وإذا الجحيم تسعرت نيرانها ولها على أهل الذنوب زفير
وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت ... لفتى على طول البلاء صبور ...
تذكر كل هذه المشاهد.. الزحام شديد يكاد يخنق الأنفاس والشمس يكاد تصهر الرؤوس والكل يتدافع.. السؤال همس.. والكلام تخافت وجلال الحى القيوم عمر المكان بالهيبة.
فى هذه اللحظات ينادى الحق جل جلاله على مجموعة من الخلق في أرض المحشر أن يتقدموا ليظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله.
من هؤلاء ياترى؟!! والإجابة على هذا السؤال تكون بعد جلسة الاستراحة.
أقول قولى هذا وأستغفر الله لى ولكم
الخطبة الثانية
أحبتى في الله:
رابعاً: في ظل عرشه
إن مجرد الكلام عن أهوال هذا اليوم ترتعد له الفرائص فكيف إذا عايناه وعاصرناه وعايشناه على أرض الواقع لا أرض الخيال؟!!
فى هذا الموقف ينادى الحق جل جلاله على أناس ليظلهم بظله يوم لاظل إلا ظله، ياترى من هؤلاء السعداء؟!
فى صحيح البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة: قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصبٍ وجمال فقال: إنى أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لاتعلم شماله ماتنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه ) ) ( [13] ) .
)) إمام عادل )): أى حاكم عادل عاش ليقيم العدل في الأرض، سعدت به رعيته، وسعد هو برعيته، وكان يتقى الله في هذه الأمانة، يعلم يقيناً أن الحكم والمنصب أمانة سيسأل عنها بين يدى الله كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم لأبى ذر: (( إن الولاية أمانة وإنها يوم القيامة حسرة وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذى عليه فيها ) ). ترى ما جزاء هذا الحاكم؟! أن يظله الله يوم لا ظل إلا ظله.
)) شاب نشأ في عبادة الله ((
أخى في الله: إذا نشأت في عبادة الله، وانصرفت عن معصية الله وإن زلت قدمك في معصيته تبت إلى الله جل وعلا، أظلك الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.
أيها الشاب الفتي.. أيها الشاب الزكى.. أيها الشاب الذى أسرفت على نفسك أرجو من الله عز وجل أن لا تتأخر لحظة عن التوبة وطاعة الله لأن الطاعة عِز، الطاعة شرف.. فلا عز في الدنيا والآخرة إلا بطاعة الله.
ولماذا خص الشاب؟!!
لأن الشاب تجرى دماء الشهوة في عروقه، لأنه - لا سيما في سن المراهقة وسن الفتوة - تعصف الشهوة بكيانه عصفاً، ولكن بخوفه من الله ومراقبته لله يعصم نفسه ويحارب شهواته ويحارب نفسه الأمارة بالسوء.
لذا كافأ الله هذا الشاب الطائع، التقى، النقى، الطاهر الذى نشأ منذ نعومة أظافره يعبد الله، ويطيع الله ويحفظ حقوق الله ويمتثل أوامره ويجتنب نواهيه ويقيم حدوده، فيظله تحت ظل عرشه يوم لاظل إلا ظله.
)) ورجل قلبه معلق بالمساجد )) معنى ذلك أن قلبه في المسجد، فإذا صَلَّى الفرض، وخرج إلى الدنيا يسعى على رزقه من الحلال، أو عاد إلى بيته وأولاده يخرج من المسجد، وقلبه مشتاق أن يرجع إلى المسجد مرة أخرى فهو متعلق بالمسجد يهوى الجلوس في بيت الله بل يتمنى أن لو ييسر الله له الوقت ليقضى جُله في بيت الله جل وعلا وهذا خير من أن تقضى وقتك أمام المسلسلات والمباريات والأفلام!! لماذا لا تحرص على أن تقضى هذا الوقت في بيت الله جل وعلا؟!
فإذا تعلق قلبك به أظلك الله في عرشه يوم لا ظل إلاَّ ظله.
)) ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ((
إنه الحب في الله إن (( من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان ) ) ( [14] ) وإن آصرة الحب في الله هى أغلى آصرة.. وأن رابطة الحب في الله هى أغلى رابطة.. ألا وإن (( أوثق عرى الإيمان، الحب في الله والبغض في الله ) )يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسى وهو في الصحيحين: (( أين المتحابون بجلالى؟ اليوم أظلهم في ظلى يوم لاظل إلا ظلى ) ) ( [15] ) .
)) ورجل دعته امرأة - أي للزنا - ذات منصب وجمال فقال: إنى أخاف الله )): تذكر الله جل وعلا وراقبه وأعرض عن هذه الكبيرة خوفاً من الله جل وعلا.
)) ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه )): خلى بنفسه، وقام من الليل، وجلس يصلى أو يذكر الله سبحانه وتعالى فلما امتلأ قلبه بهيبة الله وبعظمة الله، فاضت عيناه بالدموع خوفاً منه وهيبة له سبحانه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله ) ) ( [16] ) .
وهناك غير هؤلاء السبعة من الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة.
ولقد جمع الحافظ ابن حجر في كتاب مستقل هؤلاء الذين يظلهم الله في ظله غير هؤلاء السبعة في كتاب قيم سماه (معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال) وبين أن الله سبحانه يظل غير هؤلاء السبعة في ظل عرشه يوم لاظل إلا ظله ففى الحديث الصحيح أنه قال:
من، أنظر (أمهل) معسراً أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله )) ( [17] ) .
أيها الحبيب الكريم: احرص على طاعة الله وعلى هذه الخصال من خصال الخير ليظلك الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
وحينئذ يقوم بقية الخلق في هذا الموقف قياماً طويلاً طويلاً، ويشتد الكرب عليهم حتى يتمنى بعضهم أن يحشر إلى النار ولا يقف في مثل هذا الموقف المهيب الرهيب ظاناً أن النار لن تكون أشد عذاباً مما هو فيه من هم وكرب.
وهنا يبحث الخلق عمن يشفع لهم إلى الله جل وعلا ليقضى الله تبارك وتعالى بين الخلائق لينتهى هذا الموقف المهيب الرهيب، وهنا يقول كل نبى من الأنبياء: نفسى.. نفسى.
ويتقدم الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم صاحب المقام المحمود وصاحب الحوض المورود، و صاحب اللواء المعقود، وصاحب الشفاعة العظمى يوم الدين يتقدم ليشفع للخلائق في أرض المحشر ليقضى الله جل وعلا بينهم ونتوقف عند هذا المشهد الكريم عند مشهد شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم لأهل الموقف جميعاً لنعيش مع هذا الموقف. لنتعرف عليه لاحقاً إن قدر الله لنا البقاء واللقاء.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن خاتمتنا. إنه ولى ذلك والقادر عليه.
( [1] ) رواه مسلم رقم ( 2878) ، في الجنة ، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت .
( [2] ) رواه مسلم رقم (1178) ، في الفضائل ، باب تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق ، أبو داود رقم (4763) ، في السنة ، باب في التخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والترمذى رقم (3615) ، في المناقب ، باب ماجاء في فضل النبى صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم .
( [3] ) رواه البخارى رقم ( 6524) ، في الرقاق ، باب كيف الحشر؟ ، ومسلم رقم (2860) ، في الجنة ، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ، الترمذى رقم (2425) ، في القيامة ، باب ماجاء في شأن الحشر ، والنسائى (4/114) ، في الجنائز ، باب البعث .